مدونة اليوم

25 Episodes
Subscribe

By: مونت كارلو الدولية / MCD

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

✂️ Clip this podcast
غادة عبد العال: لابوبو بالحصبة!
Today at 9:29 AM

عشنا وشفنا عندنا «أنتي فاكس». كنت فاكرة إن دي من الحاجات اللي هنكتفي بالفرجة عليها عند الأجانب، زي البيوت اللي قدامها بحيرة، والأمهات اللي بيصحوا يجروا قبل الشغل مش عشان يلحقوا الإمضا لأ ، على سبيل التريض. لكن واضح إن العولمة مصممة توصل لنا، حتى لو هتيجي في فويس نوت على جروب الماميز.

بمناسبة حملة تطعيم الحصبة والحصبة الألماني اللي شغالة في مصر اليومين دول، بعض الجروبات اتحولت لغرف عمليات لمقاومة التطعيم. فتدخل مامي تقول إنها سمعت كلام خطير، ومامي تانية تعرف واحدة ابنها حصله حاجة، ومامي تالتة تبعت فيديو لشخص بيتكلم بثقة وهو لابس نضارة، ومعروف طبعا إن أي حد لابس نضارة كلامه صحيح.

وخلال دقايق، تلاقي نفسك قدام لجنة علمية مكتملة، ناقصها بس حد يكون فعلا فاهم الموضوع.

والمشكلة إن الموجة دي حاليا اللي بيقودها أمهات التعليم الخاص. اللي بيدفعوا مصاريف محترمة عشان العيال تتعلم علوم بالإنجليزي، وبعدين أول ما العلوم تيجي لحد عندنا في سرنجة، نقول لها: سوري، إحنا مش مطمّنين.

استوردوا يا ماميز اللي إنتوا عايزين تستوردوه من بره. هالوين؟ ماشي، نلبّس العيال قرع عسلي. ستانلي كاب؟ أوكيه، نشرب الميه في فنطاس بشفاطة. لابوبو؟ تمام، نعلّق الكائن المرعب ده في الشنطة طالما عمو الأجنبي قالنا انه موضة. إنما حملة ضد الفاكسينات؟ لأ، وحياة أغلى حاجة عندكم، وخصوصًا إن أغلى حاجة عندكم قاعدة جنب ابني في الفصل .

الفصل عندنا فيه ٢٥ عيل، وفيه فصول بتوصل ٥٠ و٧٠ . سبعين طفل بيتنفسوا ويكحوا ويعطسوا في نفس المكان. إحنا عاملين للفيروس حفلة وحاجزين له ”في آي بي“.

وده في بلد إحنا فيها أصلًا متكربسين على شريط ضيق، فوق روس بعض. من البيت للأسانسير للباص للفصل للتمرين. الفيروس مش محتاج يعمل حملة؛ إحنا موفّرين له شبكة توزيع.

وكل ده في بلاد ما كانش من زمان قوي يعني فيها منظر طفل عنده شلل أطفال، أو حد بيموت من مضاعفات الحصبة، أو ست بيجهض حملها بسبب الحصبة الألماني.

طبعًا من حق أي أم تسأل وتفهم وتقلق. ومن حقها تعرف اسم التطعيم، وآثاره الجانبية، وهل فيه مانع طبي يخص ابنها. بس الأسئلة دي تتسأل لدكتور يعرف تاريخه الصحي، مش بنسألها لبعض واحنا قاعدين في الفسحة.

و مش كل التريندات اللي بره لازم نستوردها يعني، فيه تريندات آخرها ضياع شوية فلوس : اللابوبو لو طلع مقلب، هنشيله من الشنطة، الستانلي كب لما يطلعلنا أتب هنبطل نشيله على قلبنا. إنما قرار يخص الصحة والعدوى وأذية ناس جيراننا وأصحابنا وزمايلنا، فده تريند نسيبه هناك لصحابه، ربنا يكملهم بعقلهم.

يا معشر الماميز، خلّونا نختلف على لون التيشيرت بتاع الرحلة، وعلى هدية ميس إيناس في عيد الأم. إنما صحة العيال تستاهل مصدر أحسن شوية من «أصل واحدة صاحبتي تعرف واحدة صاحبتها سمعت جارتها بتقول وهي بتنشر الغسيل».

إحنا ١٢٠ مليون نفس في إيديكم .. قدروا المسئولية! 


سناء العاجي الحنفي: أن نقول لا…  دون أن نخسر المحبة
Yesterday at 9:10 AM

كنت أنوي زيارة صديقة مريضة. سألتها في رسالة هاتفية متى أستطيع زيارتها، فردت برسالة أخرى مضمونها: "لا تأتي من فضلك. متعبة وأفضل البقاء وحدي". 

أعجبتني الرسالة وأسعدتني، لدرجة أنني أردت نشرها في كل مكان.

ليس لأنني سعيدة بمرض صديقتي، بل لأنني أحببت تلك العفوية والوضوح والصدق في التعبير عن رغبتها، دون تبريرات طويلة، ودون الحاجة لاختلاق أعذار.

كم مرة استقبلنا ضيوفا ونحن في أمس الحاجة إلى الراحة؟ كم مرة وافقنا على دعوات لم نكن نرغب في تلبيتها؟ وكم مرة قلنا "نعم"، بينما كنا نفضل أن نقول "لا"؟ 

نفعل ذلك حتى لا نحرج الآخرين، وحتى نحافظ على علاقاتنا. لكن المفارقة أن هذا السلوك نفسه قد يفسد تلك العلاقات.

حين نضغط على أنفسنا باستمرار لإرضاء الآخرين، تتحول اللقاءات من متعة إلى واجب، وتتحول الصداقات إلى عبء. وقد نجد أنفسنا منزعجين من أشخاص نحبهم، لا لأنهم أساؤوا إلينا، بل لأننا لم نجرؤ على التعبير عن حدودنا.

أعتقد أن من أجمل الهدايا التي يمكن أن نقدمها لمن نحب هي أن نجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا مضطرين إلى التظاهر معنا.

أن يقول لنا صديق: "لا أريد الخروج اليوم"، فلا نعتبر ذلك رفضا لشخصنا. أن تعتذر صديقة عن استقبالنا، فلا نحاسبها على نقص في محبتها لنا. وأن نسمح لأنفسنا، بدورنا، بالرفض دون أن نشعر بالحاجة إلى البحث عن مبررات.

طبعا، الصداقة تحتاج إلى الاهتمام والتنازل المتبادل. لكن، هناك فرق كبير بين أن نتنازل أحيانا بدافع المحبة، وأن نلغي رغباتنا بدافع الخوف من ردود فعل الآخرين.

الصداقة الحقيقية ليست تلك التي نقول فيها دائما "نعم"، بل تلك التي نستطيع فيها أن نقول "لا"، ونحن مطمئنون إلى أن المحبة لن تتغير.

لهذا أسعدتني رسالة صديقتي: لأنها لم تكن مجرد اعتذار عن استقبال زيارة... بل كانت تعبيرا جميلا عن الثقة.

وأتمنى أن نصل جميعا إلى علاقات لا نحتاج فيها إلى الكذب حتى لا نجرح، ولا إلى التضحية براحتنا حتى نثبت محبتنا.

فمن يحبنا حقا، ينبغي أن نكون معه على طبيعتنا، لا أن نرهق نفسنا لإرضائه.


هند الإرياني: اليمن متنوع يا عرب
Last Friday at 8:23 AM

من المشكلات التي نواجهها كيمنيّين أنّ كثيرًا من العرب والغربيّين لا يفهمون طبيعة المجتمع اليمنيّ وتنوّعه.

أتذكّر مثلًا عندما منع الحوثيّون النساء من السفر دون محرم، قالت امرأة عربيّة تعمل في منظّمة دوليّة: "عادي، هذه عادات وتقاليد يمنيّة".

لا، هذه ليست عادات وتقاليد يمنيّة.

في عالمنا المفتوح اليوم، يستطيع أيّ شخص أن يبحث ويتعرّف على المجتمعات الأخرى. لم يعد مقبولًا أن يكون المرء جاهلًا إلى هذه الدرجة ببلد ما، خصوصًا إذا كان عربيٌّ يجهل بلدًا عربيًّا آخر، ويزيد الطين بلّة إذا كان هذا الشخص يعمل في الشأن اليمنيّ.

فلنتحدّث عن أمثلة يجهلها هؤلاء عن المرأة اليمنية وعاداتنا القديمة.

نساء جبل صبر في تعز، مثلًا، كنّ يسافرن من قرية إلى أخرى، ومن القرية إلى المدينة، لبيع المحصول، بينما ينتظر الزوج في الحقل ولا يسافر معها. كانت تسافر دون محرم، ولم يكن الأمر مستغربًا. وهذا ينطبق على كثير من مناطق اليمن الوسطى، حيث مارست النساء التجارة والزراعة واختلطن بالرجال.

وإذا ذهبنا إلى جنوب اليمن قبل الوحدة، الذي يختلف تاريخه تمامًا عن الشمال، فسنجد أنّ أوّل امرأة قادت سيّارة في الجزيرة العربية كانت من عدن، وأنّ أوّل امرأة قادت طائرة أيضًا كانت من عدن.

مؤخّرًا، استطاع الشباب والشابّات اليمنيّون نقل صورة مختلفة عن اليمن إلى العالم، بفضل وسائل التواصل الاجتماعيّ، وسهولة الوصول إلى الشعوب الأخرى. لذلك أجد أنّ الجيل الجديد من العرب والغربيّين يعرف اليمن أكثر من الأجيال السابقة، التي ترسّخت لديها صورة نمطيّة عن اليمن، وربّما نظرة دونيّة إليه.

اليمن متنوّع في كلّ نواحيه، من مأكولاته إلى أزيائه وعاداته ومعتقداته، وهو البلد الذي حكمته امرأة مسلمة، هي الملكة أروى.

ولذلك، في زماننا هذا بالذات، حين أصبح العالم -كما يقول المصريّون (صالة وأوضة)- تعبيرًا عن مدى تقارب الشعوب ومعرفة بعضها بعضًا، يصبح من المستغرب، بل ومن المستفزّ أن يأتي أحدهم ويحكم على اليمن كلّه، بشماله ووسطه وجنوبه، وكأنّه شكل واحد ولون واحد.

نعم، اليمن جميل بتنوّعه، وكلّ من يحاول إنهاء هذا التنوّع سينتهي.


جمانة حداد: بلا طعمة
Last Thursday at 8:30 AM

قرأت أمس نصيحة تقول إن الإنسان يحتاج إلى أن يخصّص وقتاً من يومه لفعل شيء بلا هدف ولا فائدة ولا معنى. فأعجبتني النصيحة.

ليس لأنني ضدّ الهدف والفائدة والمعنى، بل لأنني بت أشعر بأننا نعيش في زمن لا يسمح لنا بأن نفعل شيئاً من دون هذه. كل دقيقة يجب أن تؤدي إلى نتيجة، كل نشاط يجب أن يحقّق جدوى، كل ساعة يجب أن نخرج منها بشيء. حتى وقت فراغنا لم يعد فارغاً.

نمشي لنحرق السعرات الحرارية. نقرأ لنوسّع ثقافتنا. نتأمل لنخفّف التوتر. نمارس الرياضة لنحسّن أجسامنا وصحتنا. نتعلّم لغة لنضيف مهارة إلى رصيدنا، ونمارس هواية لننمّي موهبة. حتى النوم صار استثماراً في أدائنا في اليوم التالي. أما الجلوس من دون فعل شيء، فبات يحتاج إلى تبرير. وإذا أطلقنا عليه اسم mindfulness، أصبح فجأة نشاطاً محترماً.

لا مشكلة عندي مع كل هذه الفوائد. المشكلة أن الفائدة صارت شرطاً. كأننا لم نعد نسمح لأنفسنا بإنفاق الوقت إلا إذا حصلنا على شيء في المقابل. وكأن كل ساعة من حياتنا مطالبة بأن تبرز إيصالاً يثبت أنها لم تذهب هدراً.

أنا مقتنعة بأن الإنسان بحاجة إلى أن يضيّع وقته. نعم، أن يضيّعه. عمداً، ومن دون شعور بالذنب. أن يجلس ويتفرّج على المارّة. أن يسرح بأفكاره من دون أن يصل إلى استنتاج. أن يتسكّع بلا وجهة، أو يتحدث في أمور تافهة، أو يفعل شيئاً عبثياً لا يعلّمه شيئاً ولا يطوّره ولا يجعله أفضل في أي مجال.

بل أذهب أبعد من ذلك: أعتقد أننا بحاجة إلى جزء من يومنا لا نعرف مسبقاً ماذا سنفعل به. وقت لا نضع له برنامجاً، ولا نحدّد له هدفاً، ولا نقيّم في نهايته إن كنا قد أحسنّا استخدامه. حتى الملل يجب أن يجد مكاناً في حياتنا، من دون أن نسارع إلى ملئه بنشاط «مفيد».

لا أريد أن أقول إن تضييع الوقت سيجعلنا أكثر سعادة أو ذكاءً أو إنتاجية. ربما يفعل، وربما لا. ليس هذا موضوعي أصلاً.

موضوعي أن الإنسان لا يجب أن يكون مشروعاً مستمراً للتحسين. وأن الحياة ليست امتحاناً في حسن استثمار الساعات.

أريد أن يكون في نهاري وقت بلا طعمة. لا أستفيد منه، ولا أتعلم فيه شيئاً، ولا أحقق من خلاله أي هدف.

وقت أضيّعه، بكل بساطة. لأنني أريد، وأستطيع، أن أضيّعه.


عروب صبح: يا حمود
Last Wednesday at 8:32 AM

ريت المنايا اللي تجي يا (حمود)

تحوم على الأنذال دار بدار

ويطول عمرك يا حفيظ السلامة

وتدوم يا عز الأهل والجار…

تمر هذه الايام ثقيلة متعبة، في الغربة يصبح الحزن اثقل وأكبر وزناً … عندما يغرس الخنجر في خاصرة أهلك من أهلك…

قضيت الايام الفائتة وعيوني تحدق في كل الشاشات تقرأ التصريحات وتتابع المقابلات والتحليلات ..

ثم الاحداث المتسارعة القبض على المجرمين وقصف درعا …

كيف لأي عقل ان يستوعب كل هذا الحزن 

ثم يكتب

ماذا نكتب؟ 

رثاء للأرواح الطاهرة التي سرقها القتلة المجرمين ؟ 

أم رجاءا للناس ان لا ينجرّوا نحو هاوية الخوف من بعضهم البعض وهو ما يرجوه أعداءنا المتربصين؟

هل نكتب الاسئلة التي تدق كالمطرقة على الرؤوس ؟

ما ذنب الصغار في درعا؟ 

في عمر الدولة وقبلها لم يشهد الأردن هجوماً قاسياً على أهله من أهله بهذه الخسة والنذالة ….

لم يكن الأردن مساحة متاحة لطائفية نتنة او تجاذبات واضطرابات دموية بشكلها المفجع الذي حصل في حمود الكرك.

كما في العالم اجمع .. لا يستطيع احد ان ينفي وجود الأفكار المتطرفة عند بعض الناس والجماعات وهو أمر ينسحب على كل الأديان والأفكار …

لكننا نعرف حق المعرفة ان التنظيمات المسلحة التي تقوم بالأعمال الارهابية هي صنيعة دول واجهزتها الاستخبارية لاستعمالها كأدوات قذرة في وقت تتعرض فيه منطقتنا إلى تهديدات حقيقية بالإبادة والتقسيم. 

شهادتي …

ولدت في عمان ودرست في مدرسة إسلامية ثم مدارس حكومية…درست المناهج الأردنية الوطنية العروبية..

كان أبو حنا الدباس رحمه الله بمثابة جدي وكان أبي ينادي العم حنا ( أخوي)….

كانوا أول الحاضرين لبيتنا صباح العيدين 

وكنا على سفرتهم العامرة في أعيادهم

جيمان عماري صديقة العمر وأهلها الكرام وبيتهم الذي كان كبيتنا…

رولا وردة .. مازال عبير صداقتنا فواحاً رغم الغربة وذكريات صغارنا الذين كبروا معاً يتجدد مع كل لقاء في تورنتو.

رسالتي

إحذروا الفتنة 

هناك من يريد بنا شراً ونحن نعلم ذلك تماماً

المجرم لا دين له حتى وان تفوه بآيات او أسفار…

من قتل الناس الآمنين في الكنيسة بحمود الكرك باسم الإسلام (مجرم)

ومن قتل الناس الآمنين بالمساجد في نيوزلندا باسم المسيحية (مجرم)

ومن يقتل المسلمين في القرى الهندية ويهجرهم باسم البوذيه (مجرم) 

ومن يبيد الناس في غزة باسم اليهودية (مجرم)

جميعهم (مجرمين) ملتفين بعباءة الدين

لا تنسوا

نحن أردنيون مصابنا واحد ودمنا حرام على بعضنا 

نحن الأردنيين مسلمين ومسيحيين ودروز وبهائيين، رجال ونساء، شركس وشيشان وأرمن من كل الأصول والمنابت.. مواطنين متساويين وليس لأحد على الآخر أفضلية ولا منة.

رحم الله شهداء حمود  


غادة عبد العال: إنت تكسّر وإحنا نجبّس!
10/27/2026

زمان، كان بعض الأهالي بيسلّموا عيالهم للمدرس ومعاهم تصريح مفتوح: «إنت تكسّر وإحنا نجبّس». جملة كانت بتتقال أحيانًا بفخر، باعتبارها دليلًا على اهتمام الأسرة بالتعليم، وثقتها في المدرس، واستعدادها للتعاون معاه في تحويل الطفل لبني آدم ناجح، حتى لو احتاج الأمر شوية قطع غيار.

كبرنا، واتغيرت المدارس، وزادت مصاريفها، وبقى ممنوع الضرب، بأوامر من الوزارة وإيمان من الأهالي، ودخلنا عيالنا أنشطة عشان نبني شخصيتهم ونقوّي ثقتهم بنفسهم. لكن يا سبحان الله يبدو إن التصريح القديم دخل معانا النادي، بصيغة معدّلة تناسب الطموحات الجديدة: اضرب يا كابتن، واشتم، وهين، واقرص، المهم نجيب البطولة، والعيل يتصور والميدالية منورة على صدره..

الأيام الماضية انتشر فيديو لمدرب تنس الطاولة بيحضر مع لاعبة أثناء مشاركتها في بطولة في انجلترا. اللاعبة خسرت فالمدرب بكل تلقائية لطشها بالقلم على وشها. المقطع أثار اهتمام الشرطة هناك وبادرت بالتحقيق في الواقعة، وأعقب ذلك قرار وزير الرياضة المصري بوقف المدرب وفتح تحقيق. في المقابل بأه، خرجت والدة اللاعبة في فيديو، وبدل ما تعترض وتطالب بسرعة التحقيق مثلا، نفت حدوث الصفعة من أصله، وقالت إن المدرب كان بيهوّش البنت ومالمسهاش!.

التبرير نفسه يستحق إننا نقف عنده: يعني هو“التهويش“ بقى من أدوات التدريب المعتمدة؟ المفروض الطفل يبقى مستني من إيد المدرب شرح حركة، ولا احتمالية قلم؟ وإيه بالضبط القيمة التربوية اللي بتضيفها إيد مرفوعة في وش طفلة، حتى لو وقفت قبل ما تلمسه؟

الأم استندت، ضمن دفاعها، إلى إن بنتها ما عيطتش، وما حكتلهاش إنها اتضربت، وإن علاقتها بمدربها علاقة ثقة ممتدة من سنين، وشبّهتها بعلاقة أب بابنته.

لكن دموع الطفل مش جهاز كشف اعتداءات. وعدم الشكوى مش شهادة جودة للكبار. الطفل ممكن يسكت لأسباب كتير، وإحنا ما نعرفش سبب سكوته. .

أما تشبيه المدرب بالأب، فالمفروض إنه يزيد مسؤوليته، مش يوسّع صلاحياته على جسم الطفل. وحتى الأبوة نفسها مش تصريح بالإهانة، عشان نستعيرها لتبرير سلوك أي شخص تاني.

وفي تصريحات نقلتها الصحافة، قال رئيس اتحاد تنس الطاولة إن المدرب لم يقصد صفع اللاعبة، وإن ما حدث جاء في إطار تعنيفها، وأشار إلى استكمالها المنافسات وتحقيق الفوز والتأهل.

وهنا نصل إلى حسبة تستحق التأمل: ما دامت كسبت، يبقى الموضوع انتهى؟ ولو خسرت كنا هنعتبر اللي حصل غلط؟ هل نتيجة المباراة هي اللي تحدد صلاحية الطريقة اللي اتعاملنا بيها مع طفلة؟

المشكلة الأوسع هي اللحظة اللي بنبدأ فيها نحسب مصلحة الطفل بالميداليات وحدها. نصرف وقت وفلوس، ونلف على التمرينات والبطولات، فيبقى الاعتراض على الكابتن مخاطرة. وممكن نبدأ نطلب من الطفل يستحمل، عشان ما يضيعش تعب السنين. و ده بالظبط اللي أشارت إليه الأم في الفيديو لما قالت إنها مش هتسمح للكلام ده يعطل مستقبل بنتها في الرياضة..

و بناءا عليه فاحنا محتاجين قواعد حماية واضحة في الأندية، ووسيلة شكوى ما تهددش مكان الطفل في الفريق، ومحاسبة ما تستناش فيديو ينتشر أو بطولة تتقام برّه البلد.

وقبل كل ده، محتاجين نبطل نسأل: «يعني نضيّع مستقبله عشان قلم؟». ونسأل إزاي بنينا له مستقبلًا، بقى الحفاظ عليه محتاج إنه يقبل القلم.


جمانة حداد: لا أعرف
10/24/2026

ثمة أشياء كثيرة أخجل من أنني لا أعرفها، لكنني أخجل أكثر من الأشياء التي قلتُ إنني أعرفها، ولم أكن أعرف.

فقد فعلتها، طبعاً. أومأت برأسي أحياناً عندما كان يجب أن أسأل: «عمّ تتحدث؟». أبديت رأياً في موضوع لم أكن مطّلعة عليه بما يكفي. دافعت، بثقة في غير مكانها، عن فكرة اكتشفت لاحقاً أنني لم أكن أفهمها أصلاً. لا أظن أنني استثناء. الاعتراف بالجهل أصعب علينا، نحن البشر، من الجهل نفسه. وهنا المشكلة.

العصر لا يساعدنا. يُتوقع منا أن نعرف كل شيء، والأسوأ، أن يكون لنا رأي في كل شيء. تندلع حرب صباحاً، فنصبح خبراء فيها ظهراً. تُنشر دراسة علمية، فنناقش نتائجها قبل أن نقرأها. نسمع عن قضية معقدة في بلد لا نعرف عنه سوى موقعه على الخريطة، وبعد خمس دقائق نكون قد حددنا مَن هو المجرم ومَن هو الضحية وما الحل.

"لا أعرف" ليست جاذبة بما يكفي على السوشال ميديا. لا تحصد كثيراً من الإعجابات، ولا تجعل صاحبها يبدو مثيراً للاهتمام. اليقين أكثر جاذبية، حتى عندما يكون كاذباً. الجزم أكثر انتشاراً، حتى عندما يصدر عن جهل.

الغريب أنني، كلما تقدمت في العمر وعرفت أكثر، صرت أكثر ارتياحاً إلى جهلي. في العشرين، كانت لديّ إجابات مذهلة عن أسئلة هائلة. اليوم، لديّ أسئلة أكثر وإجابات أقل. لا أعتقد أنني أصبحت أقل ذكاء. كل ما في الأمر أني أصبحت أدرك حجم المساحة الهائلة الواقعة خارج حدود معرفتي.

وللتوضيح: "لا أعرف" ليست هي نفسَها "لا أريد أن أعرف"، التي تنم عن نبذ للمعرفة. ولا هي نفسَها "لا أستطيع أن أعرف"، التي هي اعتراف بالعجز. ولكن لعلّ أخطر ما يقابل "لا أعرف" هو الـ "طبعاً أعرف"، أي الجهل الواثق من نفسه. مثلاً، الطبيب الذي يقول "لا أعرف، أحتاج إلى المزيد من الفحوص" يطمئنني أكثر ممن يخمّن تشخيصاً كي لا يعترف بحيرته. والمفكر الذي يقول "لم أحسم رأيي بعد" أكثر جدارة باحترامي ممن يملك جواباً فورياً عن كل سؤال. لكننا، لسبب ما، نكافئ أصحاب الأجوبة أكثر من أصحاب الشكوك.

ربما لأن «لا أعرف» تتركنا عراة للحظة. تسحب منا سلطة المعرفة، وتضعنا أمام شخص آخر بلا درع. لكنها تفتح أيضاً شيئاً لا يستطيع اليقين الزائف فتحه: باباً للتعلّم.

لا. لم أعد أخجل من "لا أعرف".

صرتُ فقط أخجل من المرات التي كان يجب أن أقولها فيها، ولم أفعل.


هند الإرياني: رواية العمى والتعامل مع المصائب
10/23/2026

تخيّل أن تفقد بصرك فجأة دون سابق إنذار، كيف ستتعامل مع الأمر؟ تخيّل أن هذا وباء، ولست وحدك من سيفقد البصر، وإنما سيفقده العديد من الناس.

هل يستطيع الناس التحكّم بأعصابهم والحفاظ على أخلاقياتهم في مثل هذه الظروف؟ هذا ما تتحدث عنه رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، والتي كانت سببًا رئيسيًا في حصول الكاتب على جائزة نوبل عام 1998.

هل تتذكّرون فترة كورونا الصعبة؟ عندما كنا نخاف من بعضنا، ونغسل أيدينا عشرات المرّات، ونتجنّب الخروج. هل تتذكّرون عندما اختفت بعض المنتجات، خاصة أنواعًا معيّنة من المواد الغذائية ومحارم الحمّام، بسبب أشخاص أنانيين ذهبوا واشتروا أكثر من حاجتهم، ظنًّا منهم بأنهم بذلك يتذاكون؟ هل تتذكّرون من استغلّ خُلوّ الشوارع من الناس لكي تَسهُل عليه السرقة؟ إنها الأيام التي تعرف فيها أخلاقك الحقيقية: أيام الأزمات والأوبئة والحروب.

كتاب «العمى» يناقش كل ذلك بشكل تفصيلي عبر شخصياته التي تُصاب بالعمى. نجد النذل والسارق والمغتصب، ومن يحاول أن يحافظ على أخلاقه في أصعب الظروف، ونرى كيف أن هذه الظروف قد تُحوّلك إلى قاتل لأنك تعرّضت للاعتداء.

تُخيفني كثيرًا هذه الفكرة وأنا أشاهد كيف أن الحرب غيّرت من طباع اليمنيين، رغم أنني ما زلت أجد الناس الذين يحاولون مساعدة غيرهم رغم ظروفهم الصعبة. ولكن لا نستطيع أن ننكر أن الوضع الصعب يجعل الشخص يختار نفسه ويصبح أنانيًا، لعلّه يستطيع البقاء.

في الرواية هناك جزئية مهمّة: لكي يستطيع الجميع أن يعيشوا، فإن التعاون بينهم مهمّ، والتنظيم مهمّ، والقيادة مهمّة، والابتعاد عن الأنانية مهمّ. الأنانية قد تتسبّب في موت الجميع، وهو شيء أثبتته كل المِحَن التي حدثت في الماضي والحاضر. ولكن كم منّا سيستطيع أن يفكّر بشكل عقلاني ويتذكّر كل هذا عندما تُصيبه أزمة مفاجئة؟

ولا ننسى أن الدين هنا قد يكون عاملًا مهمًّا لعدّة أسباب. إيمانك بحياة أخرى يجعلك أقلّ يأسًا. دينك يقول لك إن هذه الحياة مجرّد رحلة قصيرة، وهناك عالم أفضل بعد الموت. هنا ستستطيع أن تُضحّي لغيرك، ستستطيع أن تكبح جِماح أنانيّتك وتوحّشك اللذين يُسبّبهما الخوف، مع أمل في أن تُكافَأ على عملك النبيل في حياة أخرى أفضل.

في هذه الفترة العصيبة التي تنتشر فيها الحروب في العديد من الدول، والتي نرى فيها سَحقًا للمشاعر الإنسانية والتعاطف، علينا أن نتذكّر أن تعاضدنا ومساعدتنا لبعضنا كبشر هما ما يمكن أن يُنقذنا، يُنقذنا من «العمى». 


سناء العاجي الحنفي: بين أخلاق الفنانة وسمعة الفنان
10/22/2026

فنانة مغربية مشهورة يتم إلقاء القبض عليها في فندق في روما، في حالة سكر وتعاطٍ للمخدرات. الفنانة كانت رفقة شخص تعرفت عليه للتو في نادٍ ليلي، ووقع بينهما شجار في غرفتها، فقامت بتعنيفه وتهديده، ليهرب من الغرفة ويتصل بالشرطة. 

وقد تم تنظيم حملات تضامن واسعة مع الفنانة المحبوبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك أمام قنصليات إيطاليا في كل من الدار البيضاء ومراكش وطنجة، حيث اعتبر البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون حملة منظمة ومؤامرة ضد فنانة محبوبة بسبب نجاحها العالمي. فيما اعتبر البعض الآخر أن الشاب الذي تعرفت عليه في ذلك النادي الليلي يبحث عن المال والشهرة، إذ كيف رافقها إلى غرفتها وماذا كان يتوقع أن يحدث هناك؟ 

تستغربون تفاصيل الخبر. أليس كذلك؟ 

وأنا أيضا وجدت صعوبة بالغة في صياغته بهذه الطريقة.

لأن فناناتنا، مهما بلغ نجاحهن ومهما بلغ حب الجمهور، فهن دائما عرضة للهجوم مع ظهور أي علامة شك في أخلاقهن: فستان قصير أو شفاف، زواج وطلاق متكررين، صورة أمام طاولة طعام عليها كأس نبيذ، قبلة في فيلم.... وحتى قبلة مع الزوج كما حدث مؤخرا في مصر.

حين نحب الفنان، فنحن نغفر له كل شيء، حتى العنف، حتى السكر، حتى وهو يعترف بالسكر والعنف ويعتذر لضحيته في المحكمة، حتى وهو متابع في أكثر من قضية اغتصاب في أربع قارات... لأنه وسيم وغني ولأننا نريد أن نصدق أن الشخص الذي يبدو لنا طيبا ومبتسما، هو طيب ومبتسم في كل حالاته.

وحين نريد أن نصدق أن فلانا مناضل أو حقوقي أو صحافي أو معارض، فمهما توافرت الأدلة والحجج، وحتى الفيديوهات التي تؤرخ لجرائمه، فسنعتبره ضحية.

وسنسأل الضحية ماذا كانت تلبس ولماذا ابتسمت ولماذا كانت في مكتبه أو في غرفته ولماذا لم تقدم استقالتها ولماذا لم تصرخ ولماذا لم تقاوم حتى الموت. ولا نسأله لماذا اغتصب ولماذا اعتدى. 

وحين يتعلق الأمر بفنانة، فحتى ضحكتها بصوت عال وقبلة سلام مع زميلها ورقصة في عرس... تصبح تهمة عليها أن تدافع عن نفسها بعدها. 


عروب صبح: ماذا يريد الفرنسيون؟
10/21/2026

تعيش فرنسا على صفيح ساخن إثر موجة احتجاجات عارمة جمعت بين طلاب المدارس والجامعات وحركة "السترات الصفراء". تعكس هذه الحركة احتقاناً اجتماعياً عميقاً، يضع إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون في مواجهة حاسمة أمام مطالب أساسية ومهمة.

شعارات الغضب والكرامة

انطلقت شرارة الحراك من قطاع التعليم، لترتفع في المسيرات شعارات حاشدة تطالب بـ "مدارس لائقة.. مستقبلاً آمناً" و "لا للاقتطاعات في ميزانية المعرفة".

مع انضمام فئات اجتماعية ونقابية واسعة تنديداً بالضغوط المعيشية، تحولت الهتافات نحو أزمة غلاء المعيشة عبر شعارات تصرخ: "أوقفوا الغلاء.. الرواتب لم تعد تكفي"، و"نريد عدالة اجتماعية، لا تقشفاً".

كما رُفع شعار "إلغاء نظام القبول الجامعي الذي يراه الطلاب مجحفاً بحقهم.

ردود الأفعال خارج العاصمة

لم تكن الأقاليم الفرنسية أقل غضباً من باريس؛ فقد شهدت المدن الكبرى مثل ليون ومرسيليا، ونانت ردود أفعال اتسمت بزخم غير مسبوق واشتباكات عنيفة.

ففي ليون أُضرمت النيران في مكتب السياحة، وفي مرسيليا وليموج جرى اقتحام مباني البلديات وتخريبها. عبّر رؤساء البلديات والمحافظون في تلك المناطق عن قلقهم البالغ من "حجم الفوضى العنيف وغير المسبوق"، وسط انتقادات حادة لنقص الموارد الأمنية وعجز الدولة عن احتواء الشغب الإقليمي

تداعيات الربيع الفرنسي 

وفي مقال نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" قبل أيام، انتقدت الباحثتان إيفا كوسيه وألماز تيفيرا استخدام قوات مكافحة الشغب وسائل عنيفة ضد تلاميذ قاصرين، بما في ذلك الضرب بالهريّ وأساليب التقييد القاسية.

كما أشار المقال إلى احتجاز أكثر من 6800 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات، يشكل الأطفال نحو 86% منهم، محذرا من أن التحقيقات الداخلية المتعلقة بتجاوزات الشرطة نادرا ما تنتهي بمحاسبة فعلية للمسؤولين.!!!

كل هذا أعاد فتح سجل تعامل الشرطة الفرنسية مع الاحتجاجات..

بما في ذلك الإصابات الخطيرة خلال احتجاجات "السترات الصفراء" عام 2018 واستخدام القوة المفرطة خلال التحركات الرافضة لتغيير نظام التقاعد والاحتجاجات البيئية في 2023. 

هل من تحرك لتلبية الطلبات؟

في محاولة لتهدئة الشارع التعليمي، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن إطلاق 5 مسارات عمل تشمل وعوداً بـ تعيين 3 آلاف معلم بديل وضخ تمويلات عاجلة لإصلاح المدارس المتهالكة. ومع ذلك، يرى المحتجون هذه الإجراءات مجرد "مسكنات" لا تلامس جوهر الأزمة الاقتصادية.

يبقى السؤال معلقاً في الشوارع الفرنسية: هل تكفي التعهدات الرسمية لإطفاء نيران الغضب الشعبي؟

إسألوا مصر وسوريا ولبنان ...


غادة عبد العال: استحملي يا مدام!
10/20/2026

الأسبوع الماضي، يوم ١٨ أكتوبر، كان اليوم العالمي لانقطاع الطمث، أو الـ«مينوبوز». مرحلة لها اسم طبي محترم، واسم اجتماعي مستفز: «سن اليأس». كأن الست بعد عقود من الدورة الشهرية والحمل والولادة، ما بيكونش ليها أمل في أي حاجة تانية في الحياة، ولا حتى العيش بلا ألم. والحقيقة إن أكثر ما يدعو لليأس أحيانًا هو طريقة التعامل مع شكواها.

تتخيلي إنك أخيرًا هتخلصي من قرف البيريود، فتكتشفي إن جسمك كان بيجهز للموسم الجديد: هبّات ساخنة، عرق ليلي، أرق، إرهاق، وتقلبات مزاجية. تصحي مبلولة كأن حد رماكي في حمام سباحة، وتقفي قدام التلاجة مش فاكرة فتحتيها ليه، وتنامي وكأنك نايمة جوه فرن بلدي. وبعد ده كله، فيه اللي يسألك بمنتهى البراءة: ”إنتِ عصبية كده ليه؟“.

مش كل الستات بيمروا بالأعراض نفسها أو بالشدة نفسها، لكن اللي بتتعب فعلًا ممكن تلاقي نفسها وحيدة تمامًا. معلومات قليلة، وكلام مبهم عن أعراض الكل شايف إنه عيب تتكلمي عنها، وعيادة تدخليها على أمل الخروج بحل، فتخرجي بالجملة الطبية الأشهر: ”استحملي يا مدام، جسمك هيتعود على كده“.

طب ولحد ما يتعود؟ أعلّق حياتي على الشماعة؟ أبعت للشغل أقول لهم هارجع لما الهرمونات تستقر؟ ومين قال إن مجرد كون الأعراض شائعة يخلي احتمالها واجب؟

أما لو سألتي عن العلاج الهرموني، فبالتأكيد هتسمعي الجملة اللي بتنهي المناقشة قبل ما تبدأ: «هيجيلك سرطان». كداهه، من غير تفاصيل، ولا تقييم لتاريخك الصحي، ولا شرح للفرق بين أنواع العلاج.

المعرفة الطبية أدق من التخويف ده. العلاج الهرموني مثلا قد ترجح كفة فوايده على مخاطره عند الكثير من النساء، خصوصًا قبل الستين أو خلال عشر سنوات من بداية انقطاع الطمث، بعد تقييم فردي، ومعرفة بتاريخ العائلة المرضي.

لكن علاقتنا بالاستهانة بألم النساء أقدم من المينوبوز بكثير. في بعض التصورات الطبية اليونانية القديمة، كانوا متخيلين إن الرحم ممكن يسيب مكانه ويتجوّل داخل الجسم، وتُنسب لحركته اضطرابات مختلفة. وأصل كلمة «هيستيريا» يرجع إلى «هستيرا»، الكلمة اليونانية اللي بتعني الرحم. يعني تخيلوا عضو داخلي يقرر يعمل جولة سياحية، ثم بنوا على التخيل ده تفسير لكل معاناة النساء النفسية..

طبعًا الطب اتقدم، لكن آثار النظرة اللي بتجعل جسم الرجل هو النموذج الأساسي للدراسات الطبية ما اختفتش بسهولة. يكفي أن إدراج النساء في الأبحاث السريرية الممولة من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية احتاج إلى إلزام قانوني سنة  ١٩٩٣

. يعني جسم نصف البشر احتاج قانون يؤكد أهمية دراسته،.

فتحياتي يعني و الله لكل واحدة بتصحى على وجع دورة، أو تعب حمل ورضاعة، أو عذاب بطانة رحم مهاجرة، أو أرق وهبّات ساخنة في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وبعده، ثم تنزل ”أسد يالا فيه إيه“ء: تشتغل، وتراجع الواجبات، وتدير البيت، وتربي العيال، وتشيل هموم أبوهم كمان.

في اليوم العالمي للمينوبوز، نفسي الست تدخل العيادة فتلاقي حد يسمعها قبل ما يطلب منها تستحمل..

 “استحملي يا مدام“ ممكن تبقى نصيحة من جارة. إنما في العيادة، إحنا دافعين الكشف عشان نسمع إجابات تانية وحلول حاسمة.


سناء العاجي الحنفي: يا إلهي... برلمانيات تدخلن البرلمان!
10/19/2026

"من هي البرلمانية الجميلة التي خطفت الأنظار"، "برلمانيات أنيقات تغادرن البرلمان"،  "شاهدوا إطلالات البرلمانيات".

هذه ليست أخبارا من مجلة للموضة. إنها عناوين تنشرها منابر إعلامية، عن نساء منتخبات يفترض أنهن يمارسن مهام سياسية وتشريعية، وذلك بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الحالية.

أين الخبر هنا؟ أين المعلومة؟ 

لكن الأفظع هو التعليقات.... عشرات الاتهامات والتلميحات الجنسية، والتشكيك في أخلاق هؤلاء النساء... وكأن وجود امرأة في البرلمان لا يمكن تفسيره إلا بجسدها، أو بعلاقات مشبوهة.

شخصياً، لا أعرف هؤلاء البرلمانيات، ولم أتابع بعد أداءهن بما يكفي، لأنتقدهن أو أشيد بعملهن. لكنني أعرف أن محاسبتهن يجب أن تكون بناء على مواقفهن السياسية، ومبادراتهن التشريعية، وحضورهن وفعاليتهن... لا على ملابسهن، ولا على أجسادهن، ولا على مدى مطابقتهن لمعايير "الشرف" في المخيال الذكوري.

المثير أن المجتمع نفسه يحتفي بالمرأة حين تستيقظ فجراً لتنظيف البيوت كعاملة نظافة، أو حين تشتغل في مصنع، أو تبيع الخضر في السوق. حينها، تصبح "امرأة مكافحة"، تستحق التعاطف والإعجاب.

لكن، حين تصبح المرأة مهندسة، أو مديرة مالية، أو برلمانية، أو وزيرة، أو رئيسة حكومة، يتغير الخطاب فجأة.... تصبح مهملة لأسرتها ومشكوكا في شرفها.

كأن المرأة مقبولة ما دامت مستضعفة... لكنها تصبح مستفزة فاقدة للشرف، بمجرد أن تمتلك السلطة أو النفوذ أو القرار.

المشكلة أعمق من مجرد تعليقات مسيئة على الأنترنيت. إنها تكشف مخيالاً جماعياً لا يزال يعتبر السياسة والسلطة، مجالات ذكورية بامتياز... وحين تقتحمها امرأة، يصبح جسدها سلاحاً جاهزاً لتبخيسها وإهانتها... بدل مناقشة كفاءتها.

والأخطر أن بعض وسائل الإعلام، بدل مساءلة النساء السياسيات عن حصيلتهن، تشارك في إعادة إنتاج هذه النظرة، بتحويلهن إلى موضوع للفرجة.

في علم النفس، نتحدث عن أثر الصدمة حين يعجز الإنسان عن استيعاب واقع جديد... ويبدو أن صعود النساء إلى مواقع القرار لا يزال يشكل صدمة للبعض.


هند الإرياني: أذربيجان وحرّيّة اللباس
10/16/2026

تحتفل نساء بـ(اليوم العالميّ للحجاب)، وتحتفل أيضًا نساء أخريات بيوم (خلع الحجاب). كلّ فئة تنادي بحقّها في ارتداء ما يمثّلها، وكلّ فئة تحكي عن معاناتها. لماذا يأخذ الحجاب كلّ هذا الحيّز من الجدل؟ هل هو مجرّد لباس من حقّ كلّ امرأة أن تختار ارتداءه أو خلعه، أم أنّه يحمل أبعادًا سياسيّة تتجاوز حرّيّة الاختيار؟

في مقابلة تلفزيونية لنوال السعداوي، تقول إنّها ضدّ الحجاب وضدّ التعرّي، لأنّ المرأة في الحالتين تقول إنّها سلعة، ولكنّها تضيف نقطة أخرى، حيث تصف الحجاب بأنّه رمز سياسيّ لعبوديّة المرأة. أما الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي فتقول في كتابها (تمرّد المرأة والذاكرة الإسلامية) إنّ الحجاب فرض سياسيّ وليس فرضًا أخلاقيًّا في العالم العربيّ، هدفه إبعاد الجماهير عن إثارة قضايا الديمقراطيّة وحرّيّة المشاركة في المجالين الاجتماعيّ والسياسيّ، لذلك فإنّ (الحجاب سياسيّ في جوهره) بحسب رأيها.

وبالبحث، نجد العديد من المقالات التي تربط بين اتّساع نفوذ الإسلام السياسيّ وزيادة عدد النساء المحجّبات، وتضع مصر مثالًا، حيث تقارن بين فترة حكم جمال عبد الناصر، والتي لم تكن فيها النساء المصريّات محجّبات، ثمّ تصاعد الإسلام السياسيّ وفترة عمرو خالد الذي "حجّب النساء" بحسب قولهم، وواكب ذلك ارتداء العديد من الفنّانات للحجاب واعتزالهنّ الفنّ بحجّة أنّه حرام. وينطبق هذا على دول أخرى تغيّر فيها لباس النساء بحسب السلطة الحاكمة وتغيّر سياسة الحكم فيها، مثل إيران وتونس والسعودية وتركيا.

في السنوات الأخيرة، شاهدنا مظاهرات إيران المطالِبة بخلع الحجاب، والتي وصلت إلى حدّ قتل المتظاهرات. وشاهدنا كيف أنّ ذلك أثّر سياسيًّا على الحكومة الإيرانيّة، ممّا أرغمها على تلبية مطالب النساء بعد أن تصاعدت حدّة المظاهرات وأصبحت تهدّد الاستقرار السياسي للبلد. ورغم أنّ الحكومة اعتبرت هذه المظاهرات مدعومة من جهات خارجيّة لأهداف سياسيّة، فإنّها في النهاية اضطرّت إلى الاستسلام والسماح بخلع الحجاب، وأصبحنا نرى نساء إيرانيّات يمشين دون حجاب.

أمّا أذربيجان، فقد أصدرت قبل أيّام قرارًا بمنع الحجاب في المؤسّسات التعليميّة، وقد تصاعد الموضوع، وتحوّل إلى خلاف دبلوماسيّ مع تركيا، بعدما انتقد مسؤولون أتراك القيود، فردّ الحزب الحاكم الأذربيجانيّ مطالبًا أنقرة بعدم التدخّل في شؤونه.

بالتأكيد أنّ السياسة تلعب دورًا كبيرًا فيما نرتديه، ليس فقط الحجاب، ولكن ملابس الرجال أيضًا، التي تغيّرت بحسب تأثير القوى التي تحكم العالم. ولكنّنا نرى ذلك بشكل قويّ في الحجاب، الذي أصبح يسبّب خلافات بين الدول، ويُستخدم لإسقاط دول أو للتأثير في سياساتها، ممّا يدلّ على أنّ ارتداءه من عدمه لم يعد فقط فكرة "حرّيّة اللباس"، وإنّما تعدّى ذلك بكثير. 


جمانة حداد: صدّق أو لا تصدّق
10/15/2026

تخيّلوا أنكم تشاهدون تسجيلاً مصوّراً لشخص تعرفونه جيداً. وجهه هو. صوته هو. حركات فمه، نبرته، تعابير وجهه، كلها له. يقول شيئاً فظيعاً. هل تصدّقون؟

قبل سنوات قليلة، كان السؤال غريباً. رأيناه. سمعناه. ماذا نريد أكثر من ذلك؟ اليوم، لم يعد هذا كافياً. الذكاء الاصطناعي والـdeepfakes لا يهددان فقط بالمزيد من الأخبار الكاذبة. ثمة شيء أخطر يحدث أمامنا: نحن نفقد، ببطء، مفهوم الدليل نفسه.

لطالما كانت الصورة شاهداً. صحيح أنها كذبت أحياناً، وتمّ التلاعب بها منذ اختراعها تقريباً، لكنّ التزوير كان صعباً. اليوم، صار التزوير سهلاً إلى درجة أن كلَّ شيء يمكن أن يكون حقيقياً، وكل شيء يمكن أن يكون مزيفاً. أي أن المشكلة لم تعد أن الكذب يستطيع أن يتنكّر في هيئة الحقيقة. المشكلة هي أن الحقيقة نفسها باتت قادرة على أن تبدو كذبة.

يمكن لسياسي أن يظهر غداً في تسجيل حقيقي يقول فيه ما يدينه، فيجيب ببساطة: "هذا ليس حقيقياً. إنه AI". ويمكن لخصمه أن ينشر تسجيلاً مزيفاً عنه، فيصدقه الملايين لأنهم كانوا مستعدين أصلاً لتصديقه. لن نسأل بعد الآن: هل حدث هذا؟ بل: هل أصدّق أنه حدث؟ وهنا يبدأ الأمر بإخافتي فعلاً.

لأن الحقيقة كانت، نظرياً على الأقل، مختلفة عن الإيمان. الأديان تطلب منا أن نؤمن بما لا تستطيع أن تثبته لنا. كنا نختار أن نؤمن أو لا نؤمن بإله ما، بجنته أو جحيمه، بأنبيائه أو معجزاته. أما الواقع، فلم يكن يحتاج إلى إيماننا به كي يكون واقعاً.

ماذا لو تغيّر ذلك؟

ماذا لو أصبح لكل واحد منا، قريباً، حقيقته الخاصة، كما لو أنها وجهة نظر، لأننا لم نعد نملك وسيلة موثوقة للتمييز بين ما حدث وما لم يحدث؟ ماذا لو وصلنا الى مرحلة نحتاج فيها إلى أنبياء جدد يخبروننا بما هو حقيقي؟ المضحك، أو المرعب، هو أننا سنختار أنبياءنا على الأرجح بالطريقة القديمة نفسها: سنصدّق غالباً مَن يقول لنا ما نريد أن نصدّقه.

لهذا، قد لا يكون أخطر ما يفعله الذكاء الاصطناعي أنه يخلق عالماً مزيفاً. الأخطر أنه يجعل العالم الحقيقي قابلاً للإنكار.

كنا نقول إن الحقيقة لا تحتاج إلى إيمان، لأنها حقيقة.

قريباً، ربما، لن يبقى لنا سوى الإيمان.


عروب صبح : الانتخابات في أوكفيل
10/14/2026

هذه الايام تحري انتخابات المجلس البلدي والعمدة في المدينة الصغيرة التي أقطنها وهي المرة الاولى التي سأمارس فيها حق الانتخاب ككندية!!!

خيط طويل من الذكريات صحى ويدور في ذاكرتي عن تجربتي في الترشح للبرلمان الاردني عن الدائرة الثالثة في عمان في عام ٢٠٠٧…

إيجابية

كان هذا عنوان حملتي الانتخابية … 

اللافتات في الأردن تحمل صور المرشحين هنا الأغلبية يكتبون الأسماء فقط على ألواح كرتونية او معدنية صغيرة نسبيا وتثبت في الارض على جوانب الطرقات بعيدا عن الأرصفة وممرات المشاة …

اذكر في الأردن ان لوحات المرشحين كانت احيانا تغطي لافتات المرور وتغطي بعضها وتوضع في كل مكان ..

ربما اختلفت الان!!!!

تجري الانتخابات هنا ضمن دورات ثابته كل اربع سنوات 

على عكس الانتخابات الفيدرالية، فإن الغالبية العظمى من البلديات الكندية (خصوصاً الصغيرة منها) تعتمد نظاماًغير حزبي؛ حيث يترشح الأفراد بصفتهم المستقلة دون الانتماء لأحزاب سياسية، ويتم تقييمهم بناءً على برنامجهمالانتخابي الفردي وعلاقتهم بالمجتمع وللنقابات دور كبير في الانتخابات كما أرى حالياً.

تعتمد المجتمعات الصغيرة على المجلس البلدي لوضع خطط التنمية الاقتصادية المحلية. من خلال تسهيلالتراخيص، ودعم المشاريع الناشئة، وتوفير الخدمات، يسعى المجلس لمنع هجرة الشباب وجذب استثماراتجديدة تضمن استدامة المجتمع. 

كما ان لها علاقة بتشكيل هوية المجتمع والثقافة المحلية كونها من يدير المرافق المجتمعية للسكان.

وهي ايضا مسؤولة عن التنسيق مع مجالس المدارس وإدارة شؤون الامن والسلامة.

ماذا يريد أهل أوكفيل ؟

بالتأكيد يبحثون عن خدمات افضل ووعود حقيقية قابلة للتحقيق ..

في هذه الدورة الاهم برأيي هو إيقاف تغول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الذي تسعى الشركات الكبيرة لزرعها في كل مكان!

هذا اخطر ما يواجهنا وعلينا ان نسعى لانتخاب مجلس وعمدة يقفون بحزم امام هذا المشروع المخيف.


غادة عبد العال: سلامٌ على الصحة النفسية!
10/13/2026

زمان، مجرد إشاعة إنك بتروح لدكتور نفسي كانت كافية عشان تفتح لك ملف في محكمة الناس.

ممكن تستبعدك من شغل، تبعد عنك أصدقاء ومعارف، وتخلي الناس تتعامل معاك كعبء عايزين يخلصوا منه بسرعة، أو كقنبلة الكل مستني انفجارها.

والوصمة ما كانتش بتقف عند صاحبها. ممكن تعطل جواز بنت في العيلة، لأن «عندهم جنان وراثي»، تخليهم منبوذين اجتماعيا ومستبعدين من المناسبات، لحسن يطلعوا علينا الجنونة، أو تخلي الدموع تتجمع في عيون اللي بيجيبوا سيرتهم، لأنهم خلاص عيلة مبتلاة!

ثم نصل إلى عام ٢٠٢٦، فنجد، في بعض دوائرنا على الأقل، مشهد مختلف تمامًا. أصبح لكل واحد فينا تشخيص، بيقدم بيه نفسه للناس: أنا حسام، بايبولار. أنا نجلاء، بوردَرلاين.

وفي بعض قعدات الستات، أرقام الثيرابيستس بيتم تبادلها بالحماس نفسه اللي كانت بتتبادل بيه أرقام الكوافير والخياطة. وبمجرد ما واحدة تعلن إن أعصابها تعبانة شوية ، واحدة تانية من الشلة تبدأ في سؤالها عن تفضيلاتها: عايزة دكتور والا معالج؟، راجل والا ست؟ أونلاين والا وجها لوجه. أصل معروف إن دكاترة النفسية زي الفاكهة، كل واحد وله فيهم مزاج.

بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، اللي وافق العاشر من أكتوبر، يستحق هذا التحول اننا نتوقف عنده. لأننا فعلا قطعنا مسافة مهمة، حتى لو لم تصل الطمأنينة نفسها إلى كل نفس .

لكن يبدو إننا، من فرط الحماس للقاموس الجديد، قررنا نشخّص نفسنا وكل اللي حوالينا وبقى كل واحد فينا ماشي بيافطة فوق دماغه بتشخيصه الخاص.

كل أم مرهقة بقى عندها اكتئاب ما بعد الولادة، وكل راجل أناني بقى نرجسي، وكل طفل شقي بقى عنده ADHD. وكل بنت فسخت خطوبتها بقت عايشة في ظل كلمة «تروما»، وكل قمصة بقت صمت عقابي، وكل خناقة بقت صراع قوى.

طبعًا اكتئاب ما بعد الولادة حقيقي، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه حقيقي، والصدمات النفسية والإيذاء والصراعات حقيقيين. وكم من أشخاص عانوا طويلًا لأن المحيطين بيهم اعتبروا معاناتهم دلع. لكن الاعتراف بوجود الحالات دي يحتاج برضه إلى الدقة في تسميتها.

وعلى الرغم من إني قادرة أفهم الراحة اللي قد يشعر بيها شخص وجد أخيرًا اسم للي بيتعبه.. وأفهم رغبته في إعلان ما كان يخجل منه، كأنه بيسترد حقه في الكلام.

إنما هل ينبغي للإسم ده؟ أن يصبح بطاقة التعارف الأساسية ليه؟ هل أعرف نجلاء، والا باشوف كل اللي بتعمله باعتباره عرض من أعراض تشخيصها؟ وهل ممكن لحسام انه يمر بيوم سيئ عادي، من غير ما يتحول اليوم إلى جلسة تحليل جماعية؟

المفارقة إننا بالشكل ده بنرجع، من طريق مختلف، إلى العادة القديمة نفسها: تفسير الإنسان كله في ضوء مرضه النفسي. زمان كنا بنختزله في تشخيصه عشان نستبعده. ودلوقتي ممكن نختزله فيه واحنا بنتصور أننا بنتفهمه. يختفي ذوقه، وخفة دمه، وتاريخه، وطموحه، وتبقى الكلمة الأجنبية اللي الجميع حفظها واللي حصروه داخل أسوارها من غير حتى ما يبقى عندهم ما يكفي من الفضول عشان يسألوه عن باقي حكايته ويعرفوه بشكل حقيقي بعيدا عن فوضى المصطلحات.


هند الإرياني: الصحافة المحايدة.. المهمّة المستحيلة في وقت الحروب؟
10/09/2026

في كلّ مرّة أغوص في قراءة الأخبار التي تُنشر عن اليمن، أتذكّر مبادئ الصحافة التي درستها في مادّة الإعلام والصحافة والاتّصال في السويد، وأتساءل: هل فعلًا تطبيق هذه المبادئ ممكن في وقت الحروب؟

الموضوعيّة والحياد، والالتزام بالحقائق، والتحقّق من المصادر وإن كان المصدر لديه أجندة معيّنة، والفصل بين الحقيقة والرأي، وإعطاء الفرصة للرأي الآخر، واحترام الخصوصيّة وكرامة الإنسان. مبادئ جميلة للصحافة، لكنّها وقت الحروب صعبة جدًّا. كيف يستطيع الصحفيّ الالتزام بالحياد عندما تكون بلاده تعيش في حرب؟

هل يستطيع مَن يسمع الصواريخ حوله ويتعرّض أهله للضرر أن يرى الآخر -العدوّ- بشكل محايد؟ يبدو الأمر أشبه بالمستحيل.

هناك صحفيّون حملوا السلاح عندما تعرّضت مدنهم للهجوم، هل في هذه الحالة نعتبر الصحفيّ لا يزال صحفيًّا، أم علينا أن نلغيَ عنه هذه التسمية ونسمّيه محاربًا؟

مؤخّرًا، ومع اشتعال الحرب في اليمن، تكاثرت الأخبار الكاذبة، يسمّونها حربًا إعلاميّة. يحتاج الشخص أن يكون خبيرًا بالوضع اليمنيّ، على دراية بالأحداث لعقود سابقة، وأن يكون مواكبًا لكلّ ما يحدث بشكل يوميّ وطوال الوقت، ولديه حدس قويّ لكي يستطيع أن يفرّق بين الأخبار الحقيقيّة والكاذبة. إنّها مهمّة صعبة، ولكنّ مَن لديه هذه الخبرة فلن تستطيع الأخبار أن ترفعه إلى السماء ثم ترمي به إلى الأرض.

من السهل أن يحافظ الصحفيّ على حياده في حالة السلم، عندما يكون عمله في دولة ديمقراطيّة، ويعلم أنّ أيّ موضوع سيعمل عليه لن يؤدّي به إلى التهلكة. عندما يكون لديه راتب ثابت، فيستطيع أن يحمي مبادئه ولا يضطرّ لأنْ يصبح بوقًا لأيّ طرف سياسيّ لكي يطعم أولاده.

ومن السهل أن يأتي شخص لم يعش تجربة الحرب ويحكم عن بُعد على هذا الإعلاميّ وهذا الصحفيّ بأنّه ليس محايدًا. ولكنّ من عاش الوضع ورأى وضع الصحفيّين وصعوبة حياتهم، فمنهم مَن حُبس ومنهم مَن قُتل ومنهم مَن يعاني من الفقر الشديد، يصبح الحفاظ على الحياد شبيهًا بأن تطلب من شخص يتمّ شق بطنه بدون مخدّر أنّ عليه أن يحافظ على أعصابه.


جمانة حداد: جَلْد بمفعول رجعي
10/08/2026

كل بضعة أيام تقريباً، ينبش أحدهم جملة قالها ممثل أو كاتب أو سياسي قبل عشرين عاماً، أو تغريدة كتبها في مراهقته، فتبدأ المحاكمة: اعتذرْ. فسِّرْ. تبرّأْ من نفسكَ القديمة. حتى إنني صرتُ أفكر: منذ متى أصبح الإنسان مسؤولاً إلى الأبد عن كل شخص كانه؟

طبعاً هناك كلام وأفعال لا يمحوها الزمن، وجرائم لا تتحول إلى أخطاء بريئة فقط لأن عشرين سنة مرّت عليها. كما أن عبارة «كان ذلك زمناً مختلفاً» لا تصلح ممحاة للعنصرية أو الكراهية أو الاغتصاب أو الأذى. لكنْ ثمة فرقٌ بين المسؤولية وبين الحكم المؤبد.

لقد تغيّر سلّم القيم نفسُه خلال العقود الأخيرة. كلمات كانت تُقال بلا تفكير صارت، بحق، غير مقبولة. نكات كنا نضحك عليها صرنا نرى العنف الكامن فيها. مواقف كانت تُعتبر طبيعية أصبحنا نفهم اليوم كم كانت ظالمة لفئات كاملة من البشر. وهذا جيد. هكذا تتقدم المجتمعات: تراجع نفسها، توسّع مساحة الكرامة، وتتعلم أن ترى مَن لم تكن تراهم.

المفارقة أن بعض أشكال الـwokism  الراديكالي باتت تفعل العكس تماماً. حركة وُلدت، في جوهرها، من المطالبة بحق الإنسان في أن يكون مختلفاً، أصبحت لدى بعض المتطرفين فيها أقل تسامحاً مع الاختلاف. والـpolitical correctness  التي أرادت حماية الناس من الإهانة، باتت تتحول أحياناً إلى رقابة، وإلى قاموس يتغير بسرعة تجعل الخوف من استعمال الكلمة الخطأ أقوى من الرغبة في خوض النقاش الصحيح.

وثمة تناقض آخر يزعجني: ماذا نفعل بالشخص الذي سبق له أن راجع أفكاره وعدّلها؟ بالشخص الذي سبق له أن اعتذر، وتعلّم، وتغيّر، ثم قررنا أن خطأه القديم سيبقى هويته إلى الأبد... ما الذي نقوله لهذا الشخص، في ثقافة الجَلد ذي المفعول الرجعي الدارجة اليوم؟ نقول له إن التطور لا يفيد. وإننا لا نريد منه أن يصبح أفضل، بل نريد أن نستمر في معاقبته لأنه كان أسوأ. والأخطر أن الإنترنت لا يسمح لنا بأن نكبر. كان الإنسان سابقاً يقول حماقة في العشرين، فيسمعها بضعة أشخاص، ثم يعيش ويتعلم ويتغير. اليوم تبقى الحماقة محفوظة، مؤرخة، قابلة للاستدعاء بعد ثلاثين عاماً، كأن صاحبها لم يعش يوماً واحداً منذ كتبها. 

ختاماً، أنا لا أطالب بحقنا في ألا نُحاسب. أطالب فقط بحقنا في أن نتغيّر. في أن نقول: نعم، قلت ذلك. كنت مخطئة. لم أعد أفكر هكذا. لكني لست مجبرة على جَلد نفسي كل صباح لكي أثبت لكم ذلك.

لا يمكن أن نطالب الإنسان بأن يغيّر جِلده، ثم نحاكمَه إلى الأبد على الجِلد الذي خلعه.


غادة عبد العال: الأم مدرسة!
10/06/2026

على أيامنا، أمي ما كانتش تعرف أنا بادرس إيه في المدرسة. مش إهمال منها، ولا تقصير. ببساطة، ما كانش مطلوب منها تعرف. كنت باروح المدرسة، أركز في الفصل، أرجع البيت أحل الواجب، وأروح تاني يوم المدرسة، وهكذا. كان فيه نظام مفهوم، كل واحد فيه عارف دوره، ومش محتاجين نعمل اجتماع عائلي طاريء كل ليلة عشان نعرف إيه الواجب المطلوب.

ولما بدأت آخد دروس خصوصية في إعدادي، أمي برضه ما كانتش مطالبة بحاجة. مدرّسة المدرسة مسؤولة عن شرح المدرسة، ومدرّس الدرس مسؤول عن شرح الدرس، وأنا مسؤولة إني أسمع وأفهم وأذاكر. ما حدش كان مستني أمي تدخل آخر اليوم تلمّ ناتج العمليتين، وتعيد الشرح وتشرف على الواجبات.

دلوقتي، لسبب مش واضح بالنسبة لي، بقيت أنا مسؤولة أراجع دروس وواجبات المدرسة، ودروس وواجبات الدرس لطفل لسه في تانية ابتدائي. يعني الطفل يروح المدرسة، وبعدها ياخد درس، وبعدها يرجع البيت عشان نبدأ إحنا الشغل الحقيقي. كأن كل اللي فات ده كان إعلان تشويقي، والفيلم لسه هيبدأ - بطولة ماما-  بعد الفاصل. بقيت مطالبة أشرف وأحل وأشرح وقبل ما أشرح، لازم أفهم.

ودي تاني مفاجأة: أنا ليه مش فاهمة منهج تانية ابتدائي؟

أفتح الكتاب، أقرا السؤال، أعيد قراءته، وابني قاعد جنبي مستني الإجابة بثقة شخص لسه ما اكتشفش إن الكبيرة اللي بيعتمد عليها بتدور هي كمان على حد أكبر منها ياخد بإيدها.

أحيانًا أبقى عارفة الحل، لكن مش فاهمة هما عايزين نوصل له إزاي. وليه الطريقة اللي وصلت بيها للإجابة مش مقبولة؟ وإزاي أشرح له الطريقة المطلوبة وأنا أصلًا محتاجة حد يشرح لي المطلوب؟

وطبعًا فيه إجابة جاهزة: المناهج اتطورت، وإنتوا اتعلمتوا بالحفظ، وولادكم بيتعلموا بالفهم.

جميل جدًا. أنا مع الفهم. أحب ابني يعرف ليه الإجابة كده، ويقدر يوصل لها بأكتر من طريقة. وما عنديش اعتراض أتعلم حاجة جديدة. لكن هو المفروض الفهم ده يحصل فين؟ ومين مسؤول عن إنه يحصل؟

هل مافيش حد شايف مشكلة في إن منهج أولى وتانية وتالتة ابتدائي محتاج تلات مراحل، وتلات مرات شرح، وقبيلة بتحاول تفهّم العيل إيه اللي مكتوب في الكتب؟. إحنا بنتكلم عن طفل لسه بيتعلم يقرا السؤال أصلًا. طفل محتاج حد يفكره يغسل إيديه، لكن مطلوب منه يتنقل بين شرح المدرسة، وشرح المدرس الخصوصي، وشرح البيت، وبعدين نندهش إنه زهق أو فقد تركيزه.

وأنا كمان عندي سؤال يخصني: ليه بقيت مسؤولة عن مراجعة واجبات جهتين، كل جهة فيهم عندها مدرس، ووقت مخصص، وفلوس بندفعها مقابل التعليم؟ لو واجب المدرسة محتاج شرح جديد، وواجب الدرس محتاج شرح جديد، إمتى بالضبط في وسط الرحلة دي الطفل هيتعلم؟

أنا متابعة ابني، ويهمني تعليمه، ومستعدة أساعده لما حاجة تقف قدامه. لكن المساعدة المفروض تبقى عند الحاجة. إزاي اتحولت لوظيفة يومية ثابتة، ولو ما عملتهاش يبقى أنا المقصرة؟

يمكن زمان ما كانش التعليم مثالي، لكن استقلالي في المذاكرة كان حاجة مفيدة. كنت عارفة إن ده واجبي أنا، وإن السؤال اللي مش فاهماه أسأله لمدرستي.

دلوقتي الواجب بقى مشروع عائلي. وأصبح وجود مدرسة ومدرس ودرس مش كفاية لتعليم طفل في ابتدائي، وبقى لازم أمه تدخل هي كمان ضمن هيئة التدريس؟ أو تبقى الأم مدرسة لكن بشكل حرفي، مع الاعتذار لحافظ إبراهيم.


سناء العاجي الحنفي: من "ناقصات عقل ودين" إلى رئاسة الحكومة
10/05/2026

أين ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة الجديدة؟ هذا، بكل جدية، كان من بين الأسئلة التي شغلت البعض، حتى قبل تعيينها رئيسة للحكومة المغربية. أين ستقف أثناء الصلاة إلى جانب الملك؟

ثم جاء السؤال الثاني، أو بالأحرى الحديث الجاهز: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". 

ثم، طبعاً، لدينا "الرجال قوامون على النساء". 

وإذا لم تكن كل هذه الترسانةُ كافيةً، يبقى السلاح السحري الذي يُشهر كلما حاولت امرأة أن تخرج من المساحة المرسومة لها: "النساء ناقصات عقل ودين". 

وهكذا، بدل أن نسأل رئيسة الحكومة عن برنامجها، وعن التعليم والصحة والشغل والأسعار والحريات، نجد أنفسنا نناقش: أين ستصلي؟ وهل يجوز أصلاً أن تحكم امرأة؟

المشكلة هنا ليست في التدين. وليست في الإسلام. المشكلة في عقل ديني سلفي ميزوجيني لا يزال يجد صعوبة عميقة في تصور امرأة تملك السلطة.

امرأة يمكن أن تكون أماً، وزوجة، وأختاً، ومربية، وممرضة، وأستاذة. يمكنها أن تعمل، وأن تتحمل أعباء بيت كامل. لكن يكفي أن تجلسَ على كرسي القرار، كي تبدأَ الأسئلة الفقهية.

كأن الذكورة شرط من شروط الكفاءة السياسية.

والأغرب أن تاريخنا وحاضرنا مليئان برجال حكموا، وقرروا، وفشلوا، وارتكبوا أخطاء كارثية، ولم يسأل أحد يوماً إن كان فشلهم ناتجاً عن جنسهم.

لم يقل أحد: "لعل الرجال جميعَهم غير صالحين للحكم". 

لكن امرأة واحدة تصل إلى رئاسة الحكومة، فتصبح النساء كلُّهن موضوعَ اختبار.

يمكن أن نختلف جذرياً مع فاطمة الزهراء المنصوري. يمكن أن ننتقد حزبها، وبرنامجها، وحصيلتها، واختياراتها وتحالفاتها. بل هذا هو المطلوب.

لكن أن يكون الاعتراض عليها لأنها امرأة، فهذه ليست معارضة سياسية.

هذه مشكلة مع وجود المرأة في المجال العام.

ربما لهذا يبدو السؤال الحقيقي اليوم ليس: أين ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري؟

السؤال هو: متى سنتوقف عن مطالبة المرأة، كلما وصلت إلى موقع مسؤولية، بأن تثبت أولاً أن جنسها لا يمنعها من التفكير والقرار والقيادة؟


أنا أتغير... إذن أنا إنسان
10/03/2026


هند الإرياني: زمن حكم النساء
10/02/2026

تتوالى الأخبار في السنوات الأخيرة عن تعيين نساء في مناصب حكومية في عدّة دول عربيّة، والكثير من هذه المناصب كان مقتصرًا على الرجال. وأنا أراقب ردود فعل الرجال، لفتني نمط متكرّر لدى جنسيّات عربيّة مختلفة، ليس فقط من قبل من يعيشون في الوطن العربيّ، بل حتّى من الرجال العرب المقيمين في الدول التي تقودها النساء.

«هذا الفشل سببه حكم النساء». قرأت هذا التعليق وأنا فاغرة فمي متعجّبة. هذا تعليق كتبه أحدهم في صفحة أخبار سويديّة ناطقة بالعربيّة. هذا الرجل يصف السويد بأنّها فاشلة لأنّ فيها قيادات نسائيّة كثيرة في أحزابها. لا أدري أيّ فشل يتحدّث عنه، فالسويد من أنجح الدول في العالم.

دعونا من دول الغرب ولنذهب إلى الدول العربيّة. عندما نرى ردود فعل الرجال على أيّ خبر جديد بتعيين امرأة، غالبًا ما يكون التركيز على شكلها؛ إن كانت جميلة فهي لا تستحقّ المنصب، وجمالها هو ما ساعدها، وإن كانت عادية فهي مسترجلة ومتشبّهة بالرجال. هذا عدا الكلمات البذيئة التي تقال عن هذه القياديّة. مثلًا، في اليمن، بمجرّد إعلان خبر تعيين امرأة، يتمّ اتّهامها في أخلاقها والتلميح إلى أنّها قدّمت تنازلات لكي تصل إلى المنصب. والمصيبة أنّ هناك شخصيّات يسمّونها «مؤثّرة» تظهر في صفحات السوشيال ميديا وتقول هذا الكلام بكلّ أريحيّة، ولا تتمّ معاقبتها.

وهذا طبيعيّ بحكم أنّ اليمن أساسًا دولة تعيش في نزاع، وتحكمها الميليشيات، وحكومتها مغتربة في الخارج، فيصبح الحديث عن محاسبة في مواقف كهذه مثل سراب الماء في الصحراء. ولكن ما يغضبني هو أنّ الرجال -من الذين نعتبرهم محترمين- يشاهدون هذا التدنّي بصمت. والشخص الوحيد الذي وجدته يعترض، تمّ اتّهامه بأنّه أيضًا زير نساء، ولذلك يدعم وجودهنّ في المناصب. وهكذا ينتصر الشرّ بتنمّره وحقارته.

ولكن رغم ذلك، سيستمرّ تعيين النساء رغمًا عن أنف المعترضين. ولو تعرفون مدى سعادتي عند سماع خبر تعيين امرأة، سواء كان ذلك في دولة عربيّة مستقرّة أو حتّى في اليمن التي تعاني من الحروب. أخبار كهذه تساعد الجيل الجديد على أن يتعوّد على وجود النساء في المناصب القياديّة، وتفتح الأبواب للنساء في المستقبل؛ المستقبل الذي نأمل أن يكون أفضل من أيّامنا السيّئة هذه، في زمن حكم الرجال


جمانة حداد: ذلك الزرّ
10/01/2026

«من واجبنا ألّا ننسى». «الذاكرة نعمة». «يا حرام، ما بقا عم يتذكّر شي»… عبارات يكرّرها كثر في غير مناسبة، لكنني لطالما شعرت أنها تعميمية.

أفهم ضرورة الذاكرة حين تتعلّق بتاريخنا، بالجرائم والمجازر والظلم. هناك نسيان يصبح تواطؤاً، لأن محو الجريمة يمنح المجرم انتصاراً أخيراً. أفهمها أيضاً في ما يتعلّق بذكرياتنا الحلوة ولحظات السعادة. لكن ماذا عن «ذاكرتنا السوداء»؟ أعني تلك الغرفة السرية، الملأى بالألم والحزن والخزي، التي نحملها داخل رؤوسنا، ولا يملك أحد مفتاحها سوانا؟

نتحدث كثيراً عن ضرورة مواجهة الماضي، معالجة الجروح الشخصية، فهمها، التصالح معها. وهذا كله جميل وناضج وصحيح. لكن ماذا بعد أن نفهم؟ ماذا بعد أن نواجه ونسامح أو لا نسامح؟ هل علينا أن نتذكر ما حدث إلى الأبد؟ هناك أشياء لا تعود تعلّمنا شيئاً. هي فقط تنكأ الجرح.

ذاكرتنا، أصلاً، ماكرة. تنسى اسم شخص نحتاج إليه، ثم تحتفظ بدقة مذهلة بجملة مؤذية قيلت لنا قبل ثلاثين عاماً. تمحو تفاصيل رواية رائعة، لكنها تتشبث بتفصيل تافه من يوم تمنينا لو لم نعشه. كأنها موظف أرشيف ساديّ يقرر وحده ما يستحق البقاء.

هذا لا يعني اني أريد أن أنسى جميع الأشخاص الذين جرحوني، او الذين فقدتهم، او الأخطاء التي قد يمنعني تذكّرها من تكرارها. أريد فقط حقاً صغيراً في تحرير رأسي من بعض المشاهد التي لم تعد تستحق كل هذه المساحة. لأجل ذلك أفكر أحياناً: ماذا لو كان النسيان تطبيقاً متاحاً لنا، نستخدمه متى نشاء وعلى ما نشاء؟

لا مرضاً. لا ضعفاً. لا نعمةً. بل تطبيقاً. أن أستطيع أن أختار ذكرى محددة وأقول لها: انتهت مدة إقامتك هنا. ألم نبالغ أصلاً في تقديس الذاكرة؟ فالإنسان ليس فقط ما يتذكّره. هو أيضاً ما استطاع أن يتركه وراءه وينساه.

غريب أننا نملك على هواتفنا وأجهزة الكمبيوتر سلطة أكبر مما نملك على رؤوسنا. نستطيع أن نقرر ما نحتفظ به، وما نحذفه، وما لم يعد يستحق أن يشغل مساحة من الذاكرة. نضغط delete، ونرتاح.

ليتنا، فقط، نملك الزر نفسه داخلنا.


عروب صبح: صناعة الوحوش البشرية
09/30/2026

يواجه الأطفال والمراهقون خطراً ذهنياً غير مسبوق عبر شبكات الويب العميق ومجموعات "الدارك ويب" المغلقة. هذه المنصات لم تعد مجرد مساحات للتصفح، بل تحولت إلى غرف بث مباشر متخصصة في الاستغلال السادي وتعذيب الكائنات الحية. يتم استدراج الشباب عبر الألعاب الإلكترونية وتطبيقات التواصل ليصبحوا جزءاً من شبكات سادية تتغذى على المشاهد الدموية. 

هذا التعرض المستمر يعيد برمجة أدمغة اليافعين، حيث تعمل المشاهد على تدمير خلايا التعاطف الإنساني لديهم، وتحولهم تدريجياً من مشاهدين مصدومين إلى "وحوش" فاعلين يبحثون عن جرعات أعلى من الأدرينالين والتلذذ بالأذى في الواقع لتلبية الرغبة التي زرعها الفضاء الرقمي.

عندما وضع علم النفس مصطلح السادية في أواخر القرن التاسع عشر لتوصيف اللذة الناتجة عن تعذيب الآخرين، لم يكن العلماء يتخيلون أن يأتي زمن يتحول فيه هذا الاضطراب إلى "تجارة رقمية منسقة"!

الجريمة المروعة 

منذ أيام وفي عمان ارتكب شاب سادي جريمة نكراء بإطلاق كلابه الشرسة لنهش وتمزيق قطة مرضع في الشارع العام، ولم يكتفِ بالجريمة بل وقف بدم بارد يمسك هاتفه لتوثيق الحادثة وتصوير لقطات العذاب التي كانت تعانيها القطة الأم!

الشاب الذي يبدو انساناً عادياً في صوره المنشورة لم يقم فقط بتعذيب القطة، بل قام مسبقاً بـ "تشريس الكلبين وتدمير فطرتهما" عبر وسائل عنيفة ليحولهما إلى أدوات قتل!

إن تصرف هذا الشاب يمثل التطبيق الحرفي لـ "السادية اليومية الرقمية". توثيق الجريمة بالفيديو ليس عبثياً؛ بل هو سلوك مرتبط مباشرة بـثقافة الويب العميق ومجموعات "الفيديوهات الدموية"، حيث يتم إنتاج هذه المشاهد البشعة إما للحصول على "المشاهدات واللايكات" في مجتمعات إلكترونية مريضة، أو لبيعها كـ "محتوى حصري" على مواقع الدارك ويب مقابل مبالغ مالية أو عملات رقمية. 

ووفقاً لعلماء الجريمة، فإن القسوة ضد الحيوانات هي المؤشر الأولي والخطير الذي يسبق تحول الشخص إلى مجرم يمارس ساديته ضد بني البشر والاطفال لاحقاً إن لم يتم ردعه.

الأديان لم تحرم الظلم الواقع على البشر فحسب، بل جعلت تعذيب الحيوان موجباً للعذاب الإلهي ودخول النار (كما في نص الحديث الشريف عن المرأة التي حبست قطة). 

 "لعبة جهنم"

فضاءٌ درامي يعبر تماماً عما يحدث في غرف الويب العميق  المظلمة. يتناول المسلسل فكرة كيف يمكن لـ "لعبة رقمية" أو منصة إلكترونية خفية أن تتلاعب بعقول الشباب وتجرهم من خلف الشاشات ليتحولوا إلى أدوات قتل وتعذيب في الواقع الملموس!

الجنون ان مشهد تعذيب القطة موجود في هذا المسلسل !!!

مجتمعاتنا في خطر 

أولادنا في خطر 

نحن في خطر 


غادة عبد العال: جرائم الترفيه!
09/29/2026

أنا من الناس اللي بتخاف جدًا من كلمة «المنع» لما تيجي جنب الفن. مش عايزة حد يقف على باب غرفة الكتابة ويسأل الكاتب: هتكتب عن إيه، وهتورّي منه قد إيه، وهل الجمهور مستعد؟

و طول عمري باسخر بشكل مباشر من فكرة إن عرض أفعال الشر على الشاشة ممكن يشجع المتفرجين على ارتكابها.

فالجريمة مادة فنية قديمة، من الروايات البوليسية للمسرح والسينما والمسلسلات. ومن حق أي صانع عمل إنه يدخل المناطق المظلمة في النفس البشرية، ويخلينا نشوف حاجات كنا بنفضّل نتجنبها.

لكن في الوقت نفسه من حقي كمشاهدة، وكاتبة كمان، إني أسأل: ليه بقينا نروح للمناطق المظلمة دي بالزخم ده كله؟

تقريبًا كل صباح، قبل ما نعرف الجو حر ولا برد، بقينا بنعرف مين قتل مين. نفتح التليفون عشان نبص على رسالة من المدرسة، تقابلنا جريمة. نفتح صفحة فيسبوك عشان نشوف عيد ميلاد مين النهاردة، تقابلنا جريمة. ننزل نشتري حاجة من السوبر ماركت، نلاقي نفسنا طرف في جريمة. وعلى ما ييجي آخر اليوم، نكون على الأقل شوفنا ٤ جرايم، وعرفنا الضحية، وعلاقتها بالجاني، واتقسمنا فريقين فريق بيلوم الجاني والتاني بيلوم الضحية، وعرفنا طريقة القتل، وشوفنا فيديوهات كاميرات المراقبة، وحضرنا جنازة الضحية، وعيطنا مع ذويها، وسمعنا من عيلة وجيران الجاني وبدأنا نناقش العقوبة اللي من رأينا لازم القانون ينزلها بيه.

الأخبار دي بقت بتطغى على أي خبر تاني. ولو حاولنا نخرج منها إلى مسلسل أو فيلم، كمنفذ عاطفي ونفسي وشعوري، تخيل إيه اللي بقى بيحصل؟ بقينا بنلاقي جريمة تانية مستنيانا هناك. قتل أبشع، وتفاصيل أدق، ومشهد مصمم عشان يفضل معانا بقية أسبوعنا بعد ما تنزل كلمة النهاية.

طبعًا الفن مش مسؤول عن الجرائم اللي بتحصل في الشارع. النقطة دي محسومة على الأقل بالنسبة لي. لكن فيه سؤال تاني محتاجين نسأله: إيه أثر إننا نقضي معظم يومنا محاطين بصور وأشكال كتيرة من العنف، حقيقية ومتخيلة؟ هل بنفضل قادرين نحس بفداحة اللي حصل، ولا مع الوقت بنتعود وبنتأقلم ومجرد حدوث جريمة مابيبقاش كافي عشان يأثر فينا، بنحتاج جرايم أشد وأفظع عشان نتفاعل أو نندهش؟

 وهل بعد كل الجرايم اللي بنقابلها في كل مصادر الأخبار حوالينا،المتفرج اللي بيلجأ للفن بعد يوم مرهق آملا في جرعة من الترفيه، يا ترى هيحس بإيه لما يقابل وصف تفصيلي لنفس الخوف ونفس الألم ونفس الفزع، لكن بإضاءة أحسن وموسيقى تصويرية تخلي وقع الجريمة أعمق تأثيرا؟

حرية الإبداع مهمة، وبتهمني شخصيًا ككاتبة. لكن من داخل الحرية دي، من حقنا نسأل: بنختار الحكاية دي تحديدا ليه؟ وبنحكيها إزاي؟ وهل كل تفصيلة عنيفة فعلًا بتخدم العمل، ولا بس بتضمن إن الجمهور مش هيحوّل القناة؟

يمكن مشكلتي مع تكدّس الجريمة على الشاشات إنه سحب مننا مكان كنا بنهرب له من بشاعة الأخبار. بقينا نصحى على جريمة، ونقضي اليوم نتابعها، وبالليل نختار جريمة تانية عشان نرفه عن نفسنا بالفرجة عليها. و بعدين نستغرب إننا عايشين بأدرينالين دائم الارتفاع، وأعصاب على بعد شعرة من الاحتراق، وإحساس بإننا محاصرين بالخطر في كل مكان.