مدونة اليوم
موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.
سناء العاجي الحنفي: درس في القيم من أيوب بوعدي
قرأت الرسالة التي نشرها الدولي المغربي أيوب بوعدي، وهو يودع فريق أولمبيك ليل ليلتحق بماشنيستر سيتي.
الرسالة التي تم نشرها على جريدة la Voix du Nord، تترجم مستوى عالٍ من الأخلاق والرقي. لم تكن مجرد رسالة وداع كلاسيكية ومجاملة لإدارة الفريق ولاعبيه وجمهوره. لا... بوعدي شكر الجميع: إدارة الفريق ومدربوه الذين ساهموا في صقل موهبته وأسلوب لعبه، تماما كما الجمهور الذي يشجع ويدعم اللاعبين. ذكر اللاعب أيضا مباراة الفريق أمام ريال مدريد والفوز الذي ساهم فيه يوم عيد ميلاده السابع عشر.
لكنه، وهذا الأهم، شكر أيضا كل أولئك الذين لا نراهم: عمال النظافة، والأمن، والطبخ، والتواصل، والسائقين...
وهنا يظهر المستوى الفعلي لأخلاق من نتعامل معهم، وحتى من نعرفهم عن بعد: أن نشكر القيادات والمدربين والجمهور، فهذا قد يكون أمرا طبيعيا لأن هؤلاء لهم أثر مباشر في نجاح الفرد ومساره وقد يؤثرون بشكل أو بآخر على القادم من المسيرة. لكن الرقي الحقيقي هو حين ننتبه إلى أولئك الذين ليس لدينا أي مصلحة أو منفعة مباشرة في مجاملتهم، لكننا نؤمن فعليا بتأثيرهم في مسارنا ومساهمتهم في نجاحنا.
بوعدي لا يحتاج سائق فريق ليل وعامل النظافة هناك وقد لا يقابلهم في حياته مرة أخرى، لكنه يعترف أن ما وصل إليه اليوم هو بفضل موهبته ومجهوده وتدريباته؛ لكنه وصل هناك أيضا بفضل مدربين واكبوا عمله، وإدارة شجعته وآمنت به، لكن أيضا بفضل عشرات الأشخاص الذين، كل من موقعه، ترك أثرا في مسيرته.
أن نجامل مدراءنا وأساتذتنا وجمهورنا وقراءنا ومشاهدينا، هو أمر مهم. قد يكون مجاملة وقد يكون شكرا صادقا لإيماننا الفعلي بدورهم في حياتنا. لكن قِيَمَنا الحقيقية تتجلى فعليا حين نعترف بدور من قد لا نحتاجهم بالضرورة في مسارنا المقبل... من يُعتبَرون، اجتماعيا، في مراكز أقل منا، لكنهم يصنعون يومنا ويؤثرون في مسارنا.
لذلك، فرسالة أيوب بوعدي ليست مجرد رسالة شكر لفريق بدأ معه مسيرته قبل أن يغادره في صفقة هي الأغلى للاعب من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وضمن الأغلى عالميا. رسالة أيوب بوعدي هي درس في الأخلاق العالية. ليس تلك التي تفرضها موازين القوى... بل تلك التي تفصح عن من نحن حقيقة.
هند الإرياني: الكفيف ليس من الأوائل
كنت أعلم أنّ مَن لديه إعاقة في اليمن يعاني إلى حدّ كبير، وخاصة في ظروف حرب لا يستطيع فيها الحصول على الرعاية الكافية، وأعلم جيّدًا كيف يتعرّض للإقصاء والتنمّر من قبل المجتمع.
ولكن ما آلمني هو أنّني علمت مؤخّرًا أنّ الكفيف، حتى لو بذل جهدًا وتفوّقًا في الثانوية، رغم كلّ الظروف المحيطة به، سيتفاجأ بأنّه لن يحصل على التكريم، والسبب هو فقدانه لبصره!
شاهدت الإعلام اليمنيّ، وحتّى العربيّ، يتحدّث عن فتاة من دولة عربية ترعرعت في اليمن. هذه الفتاة، عندما تخرّجت من الثانوية، لم يتمّ وضع اسمها ضمن الأوائل رغم تفوّقها، والسبب جنسيّتها غير اليمنية. وقامت حملة كبيرة تنادي بأن يتمّ إعطاء هذه الطالبة التكريم الذي تستحقّه.
بعد ذلك، قرأت لصانعة محتوى يمنيّة اسمها حياة الأشموري، قالت فيها إنها عندما تخرّجت من الثانوية بتقدير يؤهّلها لأن تكون من أوائل الجمهورية، تفاجأت باستبعادها لأنّها كفيفة، لكنّها لم تسكت، وأصرّت حتى اضطرّت السلطات المسؤولة إلى إدراج اسمها.
ظنّت أنّ رفضها لهذا الظلم سيمهّد الطريق لمَن بعدها، وتكمل بحسرة أنّها تفاجأت بأنّ شخصًا آخر، اسمه ماجد نجيب، وهو كفيف أيضًا، حصل على 97% في الثانوية العامّة، ودرس المنهج نفسه الذي يدرسه بقية الطلّاب، وتعب التعب نفسه الذي تعبوه، ومع ذلك، عند إعلان أوائل الجمهورية، لم يتمّ ذكر اسمه.
عندما قرأت هذا الموضوع، خجلت من نفسي. هذه أوّل مرّة أعلم بأنّ الكفيف قد يُحرم من التقدير بسبب إعاقته. وبالطبع، ساهمَت وسائل التواصل الاجتماعيّ في إيصال صوت مَن لا صوت له، ولكنني أشعر بالغضب من أنّ هذا الموضوع لم ينل حظّه، ليس فقط في الإعلام التقليديّ، وإنما حتى اليوم لن يصبح «تريند» مثل موضوع الفتاة العربية.
لماذا؟
لأنّ موضوع الطالبة العربية يستثير الرجل اليمنيّ الذي ينصر امرأة أجنبية تعرّضت للظلم، لكنّ هذه الحميّة لم ولن تظهر في حالة الشابّ الكفيف.
جمانة حداد: جلدي القديم
ثمة تهمة غريبة نوجّهها أحياناً إلى البشر: لقد تغيّرتَ. لقد تغيّرتِ.
سمعتها في حياتي أكثر من مرة، وأعترف أنني لم أفهم يوماً لماذا يُفترض بي أن أشعر بالإهانة منها. بالعكس، أكثر ما كان سيخيفني أن يقول لي أحدهم، بعد عشرين عاماً: لم تتغيّري أبداً.
نقولها غالباً كما لو أننا نقول: لقد خنت نفسك. كأن الإنسان يولد بنسخته النهائية، وعليه أن يحملها حتى الموت من دون تعديل، وإلا اتُّهم بالتناقض.
لكن لماذا يُفترض أن أبقى وفية لامرأة كنتها قبل عشرين عاماً؟
تلك المرأة كانت تعرف أقل. عاشت أقل. خسرت أقل. أحبت أشخاصاً لم أعد أحبهم، وخافت أشياء لم تعد تخيفني، وربما دافعت عن أفكار أختلف معها اليوم. لماذا يجب أن أكون سجينة قناعاتها لمجرد أنها كانت، ذات يوم، قناعاتي؟
نحن نحب الثبات لأنه يطمئننا. نريد الآخرين قابلين للتوقع، واضحين، موضوعين في خاناتهم. هذا يساري، ذاك محافظ، هذه قوية، تلك ضعيفة، هذا لا يتزوج، تلك لا تريد أطفالاً. ثم يأتي الإنسان ويرتكب جريمته الكبرى: يتغيّر.
فنصرخ: ولكنك قلت العكس قبل عشر سنوات!
طبعاً قلت العكس. كنت شخصاً آخر قبل عشر سنوات.
المشكلة ليست في أن نغيّر رأينا. المشكلة في أن نفعل ذلك بلا تفكير، أو لمصلحة، أو خوفاً، أو سعياً وراء التصفيق. هناك فرق شاسع بين الانتهازية والتطوّر. الأولى أن تغيّر جلدك كي يناسب الطقس. والثاني أن تكتشف أن جلدك القديم لم يعد يتّسع لك.
حتى الوفاء لأنفسنا أُسيء فهمه. الوفاء الحقيقي ليس أن أبقى كما كنت، بل أن أملك شجاعة الاعتراف بأنني لم أعد كما كنت.
ربما لهذا يخاف البعض من تغيير آرائهم. ليس لأنهم مقتنعون بها إلى هذا الحد، بل لأنهم يخشون الجملة الشهيرة: «ألم تقولي سابقاً…؟»
بلى، قلت. ثم عشت. وهذه الـ«ثم» هي كل الحكاية.
عشت، ورأيت، وأخطأت، وقرأت، وخسرت، وأحببت، وخاب ظني، وفهمت أشياء لم أكن أفهمها. ما قيمة كل ذلك إذا كان المطلوب مني أن أخرج منه بالشخص نفسه الذي دخل؟
لا أريد أن أكون متّسقة مع ماضيّ إلى درجة الخيانة لحاضري. وأرجو، بعد عشر سنوات، أن أختلف أيضاً مع بعض ما أقوله اليوم.
لأن البديل الوحيد عن التناقض أحياناً ليس الثبات.
إنه الجمود.
عروب صبح: هل تجتمع القسوة مع الحب؟
هل تجتمع القسوة مع الحب؟ هذا سؤال لطالما أرقني !!!!
منذ أكثر من عشرين عاما عندما كتبت مقالتين متتابعتين في جريدة الدستور الاردنية بعنوان ضرب وحب
وقبل ذلك بكثير وانا أحاول ان افهم كيف تلتبس المفاهيم عن المشاعر عند الناس!
مؤخراً شاهدت فيديو لأحد المؤثرين من الأردن يتكلم عن موقف حصل مع والده وكم آلمه (كسر مجاديفي) هكذا عبر الشاب،مع أن أسلوب الشاب معروف بانه هزلي الا أنني لم أراه كذلك في ذلك المنشور.
تفاعلت كأم وإنسانة أكره القسوة (حتى وإن سميت مزاحاً) وكتبت له تعليقا بسيطا تمنيت فيه أن يدرك الاهل كم الضرر الذي يقع في نفوس أبنائهم (خاصة الشباب) عندما يتعاملون بقسوة معهم!
المفاجأة أن تعليقي البسيط الذي لم يخرج عن كونه تعاطف إنساني لقي ما لقي من استهزاء واستخفاف، بل وتهجم
الشباب والشابات اللذين رأوا أنني دراما كوين أو استهجنوا (مبالغتي) بفهم المنشور على انه إساءة من الاب للشاب! ومنهم من أدلى بدلوه في الشرح أن هذه هي الطريقة الصحيحة في التربية لتنشئ رجلاً (مش هامل) !
يخلط الانسان بين ما اعتاده وبين ما هو صحي له، لقد تعودوا على هذا الطريقة في التعامل لدرجة أنهم أصبحوا يجدونها أمراً عادياً جداً وعلى الاغلب أنهم بطبيعة الحال سيكررون هذا النمط في علاقاتهم مع أسرهم!
المثير للتفكير والتعجب أنهم يرفضون فكرة استهجان القسوة ويعتبرونها أمراً تربوياً إيجابياً!!!
وهنا يبرز سؤال آخر
؟ هل تجعل القسوة الطفل أقوى فعلًا، أم تجعله أكثر قدرة على احتمال القسوة
فيجيب الصدى عبارات
"هينا تربينا هيك وطلعنا أقوياء" ...
"أنا بقسى عليه أو بضربه مشان يصير رجل"
لعلها أكثر المفارقات إيلامًا داخل الأسرة أن يسمّي بعض الآباء والأمهات القسوة "حبًا"، والإهانة "تربية"، والتخويف "تقوية للشخصية"
لكن لماذا يكرر بعض الآباء ما تعرضوا له هم أنفسهم؟
تقدم نظرية التعلق مدخلًا لفهم المسألة؛ فالطفل يبني من علاقته بمقدمي الرعاية تصورًا مبكرًا عن نفسه وعن الآخرين: هل العالم مكان آمن؟ وهل أنا شخص يستحق الحب والحماية؟ عندما يكون الوالد مصدرًا متكررًا للخوف والإهانة، يصبح من الصعب على الطفل أن يميز بين حاجته إلى الأمان وبين الشخص الذي يسبب له الخوف.
والأبحاث حول الإساءة اللفظية في الطفولة أكثر وضوحًا مما قد يظن البعض. فقد راجعت دراسة منهجية عام 2023، شملت 149 دراسة كمية و17 دراسة نوعية، ووجدت ارتباط الإساءة اللفظية بمجموعة من النتائج النفسية والسلوكية السلبية عبر مراحل الحياة!
فالتأديب لا يحتاج إلى الإهانة كي يكون فعالًا وهناك فرق جوهري بين الحزم والإيذاء
القوة الحقيقية ليست أن يتعلم الطفل ألا يتألم من الإهانة، بل أن يتعلم أنه يستحق الاحترام حتى عندما يخطئ
الاهل لا يفقدون السلطة عندما يعتذروا، ولا يضعفوا إذا اعترفوا: «كنت قاسيًا معك». على العكس، هنا يتعلم الطفل درسًا بالغ الأهمية: أن القوة يمكن أن تجتمع مع الرحمة، وأن وضع الحدود لا يحتاج إلى تحقير الإنسان!
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف التربية لأنفسنا...
نحن لا نربي أبناءنا ليصبحوا أقوياء على حساب قلوبهم؛ نربيهم ليصبحوا أقوياء من دون أن يصبحوا قساة.
غادة عبد العال: مُتّهِمَتُنا في الجنة، ومُتَّهِمَتُكُم في النار!
زمان، قبل ما نتحول كلنا إلى وكلاء نيابة وأطباء نفسيين وخبراء أدلة جنائية بنظام العمل من المنزل، كانت الجريمة واقعة لها متهم وضحية وتحقيق ومحاكمة. دلوقتي الجريمة بقت «وجهة نظر». نفس الفعل ممكن يبقى عندنا جريمة مكتملة الأركان لو المتهم من الفريق الخصم، ويبقى أزمة نفسية تستحق الاحتواء والعلاج لو المتهم من الفريق بتاعنا.
خلال أسابيع قليلة، انشغل الرأي العام بقضيتين بالغتي القسوة. في الأولى، اتُّهمت محامية بقتل والدتها وتقطيع جثمانها. وفي الثانية، اتُّهمت صيدلانية بقتل ابنها، بعدما حاولت خنقه ثم طعنته بالمقص. واقعتان مفزعتان، وضحيتان لا يمكن أن تتحولا إلى مجرد تفصيلة في معركة سياسية أو فكرية. ومع ذلك، كان لجمهور الإنترنت رأي آخر.
ناس قالوا إن بشاعة ما نُسب إلى المحامية دليل في حد ذاته على إنها لا يمكن تكون في حالة نفسية سوية، وبالتالي لا يصح التعامل معها باعتبارها مجرمة عادية. وناس ردت إن المرض النفسي مش كارت «اخرج من السجن مجانًا»، وإن التخطيط ومحاولة إخفاء الجريمة بيدلوا على الإدراك. وفي قضية الصيدلانية، اتكرر تقريبًا نفس النقاش: فريق قال إن لما أم تقتل ابنها ده دليل انها أكيد بتعاني من ذهان أو انهيار أفقدها وعيها، وفريق تمسك بأنها عاقلة ومسؤولة ويجب أن تُحاكم على هذا الأساس.
لحد هنا، الخلاف ممكن يبدو قانونيًا أو طبيًا مشروعًا. المشكلة إنك لو بصيت على أسماء المتعاطفين والغاضبين في القضيتين، هتلاحظ إن البوصلة الطبية عند ناس كتير بتتحرك حسب الهوية السياسية. المحامية معروفة في دوائر العمل المدني، والصيدلانية من خلفية مرتبطة بأوساط الإسلام السياسي؛ وفجأة بقى بعض من طالبوا بالتريث وانتظار التقييم النفسي في القضية الأولى، رافضين أصلًا طرح الاحتمال في الثانية، والعكس صحيح..
بقينا ما بنسألش: هل كانت المتهمة مدركة لطبيعة فعلها وقت ارتكابه؟ لكن بنسأل: هي تبع مين؟ وبعدها نقرر إن متهمتنا في الجنة، ومتهمتكم في النار.
والحقيقة إن القانون أوضح من بوستاتنا كلها. وجود اضطراب نفسي لا يعفي أي متهم تلقائيًا من المسؤولية. السؤال المحدد هو: هل أفقده الاضطراب الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة؟.
الموقف الإنساني والقانوني المتسق بسيط، حتى لو كان صعب على جمهور السوشيال ميديا لازم يكون: إننا بنطالب بتحقيق عادل وتقييم نفسي متخصص للمتهمتين، ونترك تحديد المسؤولية للي يملك الأدوات والملف الكامل. لو أثبت التقييم أن إحداهما كانت فاقدة الإدراك، تُطبق عليها أحكام القانون، أيًا كان انتماؤها. ولو أثبت أنها كانت مدركة ومختارة، تتحمل المسؤولية، أيًا كان عدد أصدقائنا المشتركين معها.
العدالة لا يصح أن تكون زيها زي الألجوريزم، بتعرض لكل واحد الحكم اللي يوافق ميوله. لأننا لو قبلنا ان الجريمة تبقى وجهة نظر، والمرض النفسي يصبح امتياز نمنحه للحلفاء وننزعه من الخصوم، فمش هنكون بندافع عن العدالة ولا عن الصحة النفسية. إحنا فقط هنكون بنمارس التعصب، لكن واحنا لابسين البالطو الأبيض فوق تيشيرت الفريق.
سناء العاجي الحنفي: مسافرة زادها... الأمن والأمان
في عطلتي هذه السنة، نظمت لنفسي رحلة إلى بلدين بعيدين عن المغرب، جغرافيا وثقافيا. سافرت وحدي لمدة ثلاثة أسابيع، وكانت تجربة جميلة جدا، من تلك الرحلات التي نعود منها محمّلين بالصور والذكريات والحكايات.
لكنني انتبهت، بعد عودتي، إلى تفصيل صغير يتكرر في أغلب النقاشات حول الرحلة.
حين أخبر أصدقائي أو زملائي أنني سافرت وحدي، يكون من بين الأسئلة الأولى، بل أحيانا السؤال الأول: "هل السفر لتلك البلدان آمن بالنسبة لفتاة تسافر وحدها؟".
الحقيقة أنني لا ألوم من يسأل. فأنا نفسي فكرت في الأمر قبل السفر. بحثت عن مستوى الأمان في الوجهات التي اخترتها، وقرأت تجاربَ نساء سافرن بمفردهن، وأخذت هذا المعيار بعين الاعتبار في تخطيط الرحلة. بل أن هناك بلدانا قد أرغب في زيارتها، لكنني أعرف أنني لن أختار السفر إليها وحدي.
المثير للاهتمام هنا ليس وجود الخوف، بل أن نتساءل: لو كان المسافر رجلا، هل كنا سنطرح السؤال؟
حين يقرر رجل أن يسافر وحده، قد يختار وجهته بناء على ميزانيته، أو الطقس، أو الطبيعة، أو الثقافة، أو نوع الرحلة التي يحبها. المرأة تفكر في كل هذه الأشياء أيضا، لكنها تضيف إليها سؤالا آخر: هل سأكون آمنة هناك؟
وحين يعود الرجل من السفر، نسأله: كيف كانت المدينة؟ كيف كان الأكل؟ هل البلد غال؟ كيف تواصلت مع الناس؟ ماذا زرت؟
ونسأل المرأة عن الأشياء نفسها، لكن غالبا يسبقها سؤال إضافي: هل كانت الوجهة آمنة لك كامرأة تسافر بمفردها؟
قد يبدو هذا تفصيلا صغيرا. لكنه واحد من تلك التفاصيل اليومية التي تكشف أن الرجال والنساء لا يتحركون دائما في العالم بالشروط نفسها.
لذلك، حين يقال إن الحديث عن الفوارق بين النساء والرجال مبالغ فيه، ربما علينا ألا نبحث فقط عن الأمثلة الكبرى والصادمة. أحيانا، يكفي أن ننظر إلى أشياء عادية جدا، مثل التخطيط لعطلة.
فحتى الحرية البسيطة في أن تحمل حقيبتك وتذهب... لا تبدأ، بالنسبة للجميع، من النقطة نفسها.
هند الإرياني: لقاح الأطفال يودي بطبيب يمنيّ إلى السجن
من المخيف عندما تتحوّل نظريات المؤامرة إلى قوانين تعاقب الطبيب والتربويّ بتهم غير منطقية. هذا ما يحدث للطبيب علي المضواحي الذي يحاكمه الحوثيون لأنّه أصرّ على استمرار لقاحات الأطفال وبرامج التحصين، بحسب تصريحات زوجته صفية محمد.
أعود بذاكرتي إلى اليمن وأنا في المدرسة، في المرحلة الابتدائية، أجلس في الفسحة في الصفّ مع زميلتي نبيلة التي كانت تعاني من شلل الأطفال بسبب أنّها لم تأخذ التطعيم في طفولتها. أتذكّر أنني وقتها فهمت أهمّيّة التطعيمات التي أخذتها. وبعد عقود، ها أنا أتساءل: كم طفلًا حُرم من التطعيم في السنوات الأخيرة منذ أن قام الحوثيون بحملة ضدّ التطعيم؟ وأيضًا قيامهم بسجن موظّفيّ الأمم المتّحدة، ما تسبّب في توقّف الكثير من مشاريعهم الصحّيّة، في الوقت الذي اليمن فيه في أشدّ الحاجة لهذه المشاريع!
قبل أيّام، كتبت صفية محمد، زوجة الدكتور علي المضواحي، عن زوجها المعتقل منذ أكثر من عامين، بأنّه سيتم البدء بمحاكمته، وبأنَّهُ قال لها في اتّصال هاتفيّ إنّ من بين التهم الموجّهة له إصراره على استمرار لقاحات الأطفال وبرامج التحصين، وأنّه تعرّض للتعذيب في السجن. وكان الدكتور علي يقوم بمشاريع مع منظّمة الصحّة العالمية، وهو ليس الوحيد الذي احتجزه الحوثيون بسبب علاقته مع الأمم المتّحدة، فيوجد فوق الستّين شخصًا من موظفيّ الأمم المتّحدة والمجتمع المدنيّ مسجونين لأكثر من عامين.
الغريب أنّ الحوثيين مؤخّرًا أعلنوا في بيان استنكارهم لتوقّف أنشطة الأمم المتّحدة، وهو ما يذكّرني بالمثل: «ضربني وبكى». كيف تسجنون موظّفين لا علاقة لهم بشيء، وكانوا صامتين طوال الفترة السابقة، بل إنّ الناس اتّهموهم بأنّهم متواطئون معكم بسبب استمرارهم بالعمل في مناطق سيطرتكم، ثمّ يكون جزاءهم السجن وتلفيق تهم غريبة تدلّ على عقليّات لا تفقه شيئًا وتعيش في غياهب الظلام أو استخدام أشخاص أبرياء كوسيلة للضغط السياسي.
الشعب اليمنيّ، رغم فقره وقلّة التعليم، إلا أنّ لديه وعيًا فطريًّا يظهر في مواقف كهذه، فتعاطف الناس مع قضيّة الدكتور علي المضواحي وغيره من السجناء يدلّ على أنّهم يعلمون جيّدًا مَن الظالم ومَن المظلوم، وكما يقول المثل: "على الباغي تدور الدوائر".
جمانة حداد: ثمة أشخاص يسكنون حياتنا من دون أن نلتقيهم أبداً
لا أقصد الغرباء، ولا أولئك الذين مرّوا بالقرب منا ولم تتقاطع طرقنا. أقصدنا نحن. النسخ الأخرى منا. الأشخاص الذين كان يمكن أن نكونهم لو قلنا نعم بدلاً من لا، أو لا بدلاً من نعم. لو أخذنا تلك الطائرة. لو قبلنا تلك الوظيفة. لو بقينا في تلك المدينة. لو أحببنا شخصاً آخر، أو غادرنا شخصاً في وقت أبكر، أو أنجبنا طفلاً إضافياً، أو لم ننجب أصلاً.
كل قرار نتخذه لا يفتح طريقاً فحسب. إنه يغلق عشرات الطرق الأخرى.
ومع ذلك، لا أحب الندم. ولطالما شعرت أنه، إذا كان لا بد من ان نندم، فإنّ الندم على ما فعلناه أقل قسوة من الندم على ما لم نفعله. لذلك لا أنظر إلى الأشخاص الذين لن أكونهم بحسرة. أنظر إليهم بفضول.
من كانت ستكون تلك المرأة لو اختارت طريقاً آخر عند مفترق ما؟ هل كانت ستكون أسعد؟ أشد وحدة؟ أكثر هدوءاً؟ أقل حرية؟ هل كانت ستنظر إليّ، بدورها، وتتساءل عن الحياة التي أعيشها أنا؟
نحب أن نروي حياتنا كما لو أنها قصة ذات خط مستقيم: حدث هذا، ولذلك حدث ذاك، ولذلك وصلنا إلى هنا. نبني للماضي منطقاً لم يكن يملكه عندما كان حاضراً. والحقيقة أن معظم حياتنا صُنعت من مصادفات صغيرة وقرارات اتخذناها من دون أن نعرف حجمها. كلمة. لقاء. سفر. انسحاب. شجاعة عابرة. لحظة جبن. باب فتحناه لأننا كنا في مزاج جيد ذلك الصباح. ثم أصبح الباب حياة كاملة.
ربما لهذا تخيفنا الخيارات الكبيرة: لأننا نعرف، في مكان ما داخلنا، أننا لا نختار شيئاً فقط. نحن نتخلى أيضاً عن أشياء أخرى.
لكن هل يعني ذلك أن علينا أن نحزن عليها؟
لا.
ثمة وهم قاسٍ اسمه «الحياة التي كان يمكن أن أعيشها». قاسٍ لأننا نقارن واقعاً نعرف كل عيوبه باحتمال لا نعرف عنه شيئاً. نتخيّل الطريق الذي لم نسلكه خالياً من الحفر، والحب الذي لم نعشه خالياً من الخيبات، والمدينة التي لم نسكنها مضاءة دائماً بشمس جميلة. الاحتمالات محظوظة: لم تُختبر قط، ولذلك تبدو كاملة.
أما حياتنا، فاضطرت إلى أن تحدث فعلاً. ولهذا فيها الأخطاء والندوب والخيبات والقرارات السيئة. وفيها أيضاً الجنون واللذة والمغامرات والأشياء الرائعة التي لم تكن لتحدث لو كنا أكثر حكمة أو أكثر حذراً.
لا أريد حياة بلا أخطاء. أريد حياة لم يمنعني الخوف من عيشها.
عروب صبح: من داخل حلم مزعج
يطل فضائي يشبهني أو فضائية ربما، تقف أمام مرآة مهشمة تدمدم : مرحبا أيتها الكائنات الأرضية يا أصحاب العقول … كيف حالكم؟ هل أنتم بخير؟ لماذا ؟ كيف يصح أن يكون أي شخص بخير في عالم يخرج فيه وزير حرب إسرائيل ليهدد أطفالاً صغاراً في غزة بالقتل والتدمير ان هم قرروا ان يلعبوا بطائراتهم الورقية !!!!
ثم يقتلهم بالفعل !!!
هو لم يتوقف عن قتلهم أصلاً!!!
عداد الموت لم يتوقف … اكثر من واحد وعشرين الف طفل وطفلة في غزة قتلتهم إسرائيل منذ ثلاث سنوات وحتى هذا اليوم!!!
٣٣٥ طلقة اخترقت سيارة الصغيرة هند رجب والعالم يستمع لها تستغيث !!!
يا جماعة الخير ( إذا ما زالت تصح التسمية)
أنت وهو وهي وهم ونحن …نرى ونسمع أسماء الصغار الذين يدفنون تحت الركام في جنوب لبنان …
كل يوم
تنعصر القلوب …
ثم نمضي لنحيي حفلات التضامن الآمن
هاهو شعار تضامنكم يرمى في وجوهكم !!!
نرقص ونغني لبلاد بلا سيادة!!! بلاد محتلة أبناءها وبناتها وأطفالها ينكل بهم في السجون !!! ولكن بلادتنا تجد مساحة كافية لتصفق للمغني الذي يلبس برادا مع خارطة فلسطين!!!
بعضنا ينظر ويمارس الحزن والصمت الذي اكل قلوبنا !!!
نعيش الايام على الهامش..
أصبحنا كائنات لا نشبه ما كنا عليه قبل ثلاث سنوات!!!
ما هذا الهراء الفاحش الذي أصبحنا نعيشه على هذا الكوكب !!!!!
ماذا يقول عنا شركائنا الحيوانات ؟؟؟؟
لعلهم ويتساءلون !!!
كيف ومتى أصبح من الطبيعي عند البشر ان يكون الأطفال هدفاً جنسياً مباحاً للكبار !!!!
ماذا !!! تقولون ليس طبيعياً !!!!!
حتى هومر سيمبسون يضحك عليكم … يقول :اسألوا انفسكم ماذا حصل لكل اؤلئك الاشخاص الذين ظهروا في ملفات جفري إبستين!!!؟
لا شيء يذكر … أوووه أندرو (بدون ألقاب) راح مشوار عالمخفر ورجع …
يبدو انه أكثر من طبيعي ….
يا الله.. هل سنستيقظ من هذا الكابوس؟
غادة عبد العال: كنسلة!
من ضمن المصطلحات اللي استوردناها من الغرب، وطلعناها من الكرتونة، ورمينا كتالوج الاستعمال، مصطلح ”الكنسلة“. والكنسلة، لمن لا يعرف، مش معناها إن الناس تزعل منك، ولا إنهم يقولوا إن رأيك سخيف، ولا حتى إن اسمك يطلع تريند ويتعمل عليك ألف ميم. الكنسلة الحقيقية معناها إنك تدفع تمن مهني واجتماعي واضح بسبب رأي أو تصرف اعتبره المجتمع غير مقبول: شركات تفسخ تعاقداتها معاك، برامج توقف استضافتك، دور نشر تقاطعك، وفرص شغل تتقفل في وشك.
يعني بتتكنسل فعلا، مش بتروح تنام يومين لحد ما الدنيا تهدى، وبعدها ترجع في بودكاست جديد عنوانه: ”قصتي مع الاغتيال المعنوي“ .
عندنا بقى الموضوع مختلف. إحنا ما عندناش كنسلة بالمعنى الكامل، إحنا عندنا ”هوجة“. شخص مشهور يقول جملة مستفزة، الناس تمسك فيه يومين تلاتة، المواقع تجمع البوستات في خبر عنوانه ”تصريحات تشعل مواقع التواصل“، وبرنامج تليفزيوني يعمل فقرة عن الأزمة. وبعدها يظهر تريند جديد: خناقة في مطعم، فستان في مهرجان، طلاق اتنين مشاهير، أو عريس وقع من الكوشة، فتتحول أنظار الجماهير كلها إليه، ويخرج صاحبنا من تحت الأنقاض، ينفض هدومه، ويرجع يشتغل عادي جدا.
وأحيانا يرجع أشهر من الأول، لأن عندنا حتى الغضب إعلان مجاني.
ومع ذلك، أول ما شخصية عامة، أو شخص قرر بإرادته إنه يتكلم في المجال العام، يقول رأي سيئ أو متعالي أو غبي، ويلاقي الناس بترد عليه، يبدأ في الصراخ: ”ده اغتيال معنوي!“.
المشكلة إن بعض الناس عايزة مزايا الكلام في المجال العام من غير تكلفته. عايزة الشهرة والفلوس والمشاهدات والإعلانات والتأثير، لكن من غير ما حد يسأل: إنت قلت كده ليه؟ أو يرد: كلامك مش منطقي. هو عايز رأيه يبقى ”حرية تعبير“، ورأيك إنت في رأيه يبقى ”تنمر واغتيال معنوي“.
يعني الميكروفون حرية، لكن الكومنتات جريمة ضد الإنسانية؟.
وطبعًا فيه فرق بين النقد وبين الشتيمة، وفرق بين تفنيد كلام شخص وبين تهديده أو اقتحام حياته الخاصة أو مطاردة أسرته. إنك تنتقد رأي معلن شيء، وإنك تنشر عنوان بيت صاحبه أو صوره الخاصة أو تحرّض على إيذائه شيء تاني تمامًا. لكن خلط الاتنين ببعض بيخدم صاحب الرأي المتعدي، لأنه بدل ما يرد على النقد، يحول نفسه لضحية، ويحوّل كل اللي اختلفوا معاه إلى عصابة إلكترونية تستعد لإعدامه في ميدان عام.
الصوابية السياسية نفسها قابلة للنقاش، وأحيانا بتتحول فعلا إلى رقابة مبالغ فيها، أو محاولات لتطهير اللغة من أي خشونة أو تلقائية. لكن الاعتراض على المبالغة في الصوابية السياسية لا يعني منح حصانة لأي شخص يقول أي كلام، ثم يطالب الجميع بالتصفيق أيا كان رأيهم في اللي بيقوله..
من حقك تقول كلام ضد السائد، ومن حق الناس تقول إن كلامك جاهل أو مؤذي أو متناقض. كل ده جزء من النقاش العام، مش بالضرورة كنسلة.
المفارقة إننا في بلد الذاكرة الإلكترونية فيه لا تتجاوز عمر التريند، ومع ذلك كل واحد يتعرض للنقد لمدة تمانية وأربعين ساعة بيتصرف كأنه نجيب محفوظ وأخد سكينة في رقبته بناءا على كتاباته..
الحقيقة الأبسط هي: أنت لم تغتال معنويا. أنت بس سمعت للمرة الأولى رأي ناس مش عاجبهم كلامك. ودي، للأسف، من ضمن شروط استخدام الميكروفون.
سناء العاجي الحنفي: حين يصبح الطلاق عنوانا للهشاشة
حين نتحدث عن الطلاق، نميل غالباً إلى اختزاله في فشل عاطفي: زوجان لم يعودا قادرين على الاستمرار معاً. لكن، بالنسبة لكثير من النساء في المغرب، الطلاق ليس فقط نهاية علاقة، بل قد يكون بداية تدهور في وضعيتهن الاقتصادية والاجتماعية.
المشكلة ليست في الطلاق نفسه. من حق امرأة أن تغادر زواجاً لم يعد يناسبها، كما من حق الرجل أن يفعل الشيء نفسَه. المشكلةُ أن الزواج، في كثير من الحالات، يُبنى على توزيع غير متكافئ للأدوار: هو يشتغل ويكوّن دخلاً وممتلكات ومساراً مهنياً؛ وهي قد تتوقف عن العمل، أو تخفّض طموحها المهني، أو تتحمل الجزء الأكبر من تربية الأطفال والعمل المنزلي غير المؤدى عنه.
وحتى حين يشتغل الاثنان، ففي حالات كثيرة، يتكلف هو بأقساط المنزل وأقساط السيارة، وتتكلف هي بمصاريف البيت. وحين يحدث الطلاق، يكون هو قد امتلك البيت والسيارة، وهي... ضاعت مساهمتها المادية في مصاريف الحياة اليومية التي لا تترك رأسمالا أو أثرا.
حين يأتي الطلاق، نكتشف فجأة أن سنوات الطبخ والتنظيف والرعاية ومرافقة الأطفال إلى المدرسة والطبيب، لا معاشَ تقاعدياً عليها، ولا أقدميةً مهنية، ولا ضماناً اقتصادياً. والأسوأ أننا نتصرف أحياناً كما لو أن هذا العمل لا قيمة له، مع أنه كان شرطاً أساسياً لاستقرار الأسرة ولتفرغ الطرف الآخر لمساره المهني.
حين تحصل الأم على حضانة الأطفال، تحصل معها أيضاً على قلق الكراء والمدرسة والصحة والمصاريف اليومية، في وقت قد تكون فيه النفقة غير كافية أو متأخرةً أو صعبة التنفيذ. هنا، يصبح الطلاق مرآة تكشف اختلالاً سبق الطلاق بسنوات.
لذلك، حين نناقش إصلاح مدونة الأسرة، لا يكفي أن نسأل: من يحق له الطلاق ومن تحق له الحضانة؟ علينا أيضاً أن نسأل: ماذا يحدث اقتصادياً بعده؟ وكيف نحمي الطرف الذي استثمر سنوات من عمره في عمل أسري غير مرئي؟ وكيف نجعل الاستقلال الاقتصادي للنساء جزءاً من الوقاية والوعي النسائي والمجتمعي.
العدالة ليست أن نُجبر الناس على البقاء في زواج تعيس خوفاً من الفقر. العدالة أن يكون بإمكانهن المغادرة دون أن تتحول الحرية إلى عقوبة، ودون أن يكون ثمن الطلاق بالنسبة للمرأة هو الهشاشة.
هند الإرياني: إحنا مالنا
فرض آرائنا على الآخرين هو موضوع تحدّثنا عنه كثيرًا، ولكن ألاحظ في أوقات كثيرة أنّنا -نحن مَن نرفض التدخّل في حياتنا- قد نقع في نفس الخطأ ونريد فرض آرائنا على الآخرين حتّى وإن كانوا لم يضرّونا بشيء. هذا ما تذكّرته وأنا أشاهد الفنّانة "ليلى زاهر" مع زوجها "هشام جمال" في برنامج ABTalks.
في اليومين الماضيين كان الموضوع الترند في السوشيال ميديا للمتحدّثين باللّغة العربيّة في أنحاء العالم هو برنامج ABTalks، ومناقشة حامية الوطيس عن زوج الفنّانة "ليلى زاهر" الذي وصفوه بالنرجسيّ.
موضوع النرجسيّة -كما ذكرت سابقًا- هو الموضوع الأكثر جاذبيّة لشباب وشابّات اليوم. فهناك مئات الفيديوهات التي تتحدّث عن هذا الموضوع، الرجال يصفون النساء بالنرجسيّات والنساء يصفن الرجال بالنرجسيّين، لذلك أحيانًا أشعر أنّها أحكام قد تُطلق هكذا على الأشخاص دون أساس حقيقيّ.
في البرنامج ظهر "هشام جمال" زوج الفنّانة "ليلى زاهر" كشخص يتحدّث كثيرًا، ويقاطعها طوال الوقت بشكل مزعج، ويتحدّث عن نفسه كثيرًا. وربّما أكثر ما أغضب الجمهور أنّه قال إنّه لا يمكن أن يخونها لكيلا يهينها أمام الناس، ولكنّه قال أيضًا إنّ الهفوة قد تحدث ويجب وقتها المسامحة. هذه المواقف جعلت الكثيرات -من الفتيات خاصّة- يصفن "هشام" بأنّه نرجسيّ. وانتقدن أيضًا أنّ "ليلى زاهر" تسمح له بالتحكّم في حياتها، وأنّها تتعامل معه كأنّها طفلة لا تعي شيئًا، وهو الحكيم العاقل الذي يفهم كلّ شيء.
شعرت هنا بأنّ الكثيرات يردن أن يفرضن على الفنّانة نوعًا معيّنًا من العلاقات. هي تقول في البرنامج إنّه يعاملها بشكل حسن وأنّها سعيدة معه، فما دخلنا نحن أن نفرض عليها نمطًا معيّنًا أو شكلًا معيّنًا من العلاقة؟ طالما هي راضية وهو راضٍ، ولا يوجد شخص يتعرّض للأذيّة النفسيّة أو الجسديّة التي تستلزم تدخّلنا، إذًا ليس من حقّنا أن نتدخّل، حتّى لو كان نوع العلاقة لا يناسبنا نحن، حتى لو نعتقد أنّه يخالف نظرتنا عن المرأة المستقلّة، خاصّة أنّ في حالة "ليلى زاهر" هي فنّانة مستقلّة وتعمل، وهو يشجّعها على عملها… ليس من حقّنا أن نفرض كيف تتصرّف وكيف هو يتصرّف، طالما أنّنا لم نشاهد أذيّة نفسيّة انعكست عليها وتحتاج مساعدتنا.
علينا أن نفرّق بين حرّيّات الناس في اختياراتهم وبين آرائنا وطريقة الحياة التي نتمنّاها لأنفسنا. بين أن ننقذ شخصًا يحتاج المساعدة لأنّه يتعرّض لأيّ نوع من العنف، سواء نفسيّ أو جسديّ، وبين أن نفرض وجهة نظرنا عن العلاقة الـperfect. هي حرّة تريد أن تراه كشخص كامل، هي حرّة، ربّما بعد ذلك تجده غير مناسب لها، هي أيضًا حرّة… "احنا مالنا"!
جمانة حداد: نحن في علاقتنا بالمستقبل.. كائنات متفائلة حتى عندما نزعم العكس
نضع الخطط. ندرس. نعمل. نتعب. نغيّر وظائفنا وبيوتنا وبلداننا وأجسادنا. نبدأ من الصفر، أو من تحت الصفر أحياناً. نحبّ شخصاً ونقرّر أن نبني معه حياة. نترك شخصاً ونقرّر أن نبني حياة من دونه. نتمرّن، نتعلّم لغة جديدة، نكتب كتاباً، نؤسّس مشروعاً، نربي طفلاً، ونقنع أنفسنا، إلى حدّ بعيد، بأن الغد مادة قابلة للتشكيل.
طبعاً، لا نملك المستقبل. يستطيع المرض أن يدخل من دون استئذان، والحرب أن تقلب الطاولة، والموت أن يسخر من كل خططنا. لكننا، في الحد الأدنى، نستطيع أن نتفاوض مع الآتي. أن نقاوم احتمالاته. أن ندفعه قليلاً في الاتجاه الذي نريده. هناك مساحة، مهما ضاقت، بين ما سيحدث لنا وما نستطيع أن نفعله بما سيحدث.
أما الماضي، فديكتاتور. لا يتفاوض. حدث ما حدث، وانتهى الأمر. وهذه واحدة من أكثر الوقائع التي يصعب عليّ تقبّلها: لماذا أُعطينا بعض السلطة على ما لم يحدث بعد، ولم نُعطَ أي سلطة على ما حدث؟
لطالما تمنيت لو كان في وسعنا التأثير في الماضي أيضاً. لا محوه كله، بالطبع. ولا إعادة كتابة حياتنا بحيث تصبح نسخة نظيفة، معقّمة، خالية من الخسارات والأخطاء. ستكون حياة كهذه مملّة إلى حدّ الموت، وربما غير إنسانية أيضاً. لكن ماذا لو كان مسموحاً لنا بتعديل حدث واحد؟ جملة واحدة لم نقلها. باب واحد لم نفتحه. شخص واحد لم نلتقِه. سيارة لم نركبها. مكالمة أجريناها أو لم نجرها. خمس دقائق فقط نستطيع انتزاعها من الزمن وإعادتها إلى ورشة التصليح.
أعرف جيداً ما تقوله الحكمة في هذا الشأن. أعرف العبارة المحفوظة: تجاربنا صنعتنا. السيئة منها بقدر الجيدة. جراحنا علّمتنا. خساراتنا جعلتنا أكثر عمقاً. أخطاؤنا أوصلتنا إلى هنا.
حسناً...
ولكن ماذا لو لم نكن نريد أن نصل إلى "هنا" بهذه الطريقة؟ لماذا علينا دائماً أن نحوّل الألم إلى درس كي نعطيه شرعية؟ لماذا لا يحق لبعض الأشياء أن تكون ببساطة أشياء سيئة كان من الأفضل ألا تحدث؟
ثمة عنف خفي في تمجيد الجراح. ليست كل ندبة وساماً. وليست كل خسارة ضرورة تربوية. بعض ما كسرنا لم يجعلنا أقوى. جعلنا فقط أكثر ريبة. بعض ما عشناه لم يمنحنا الحكمة. منحنا الأرق. وبعض الذين فقدناهم لم يكن موتهم فصلاً ضرورياً في رواية نضجنا. كان موتهم موتاً، وكان غيابهم ظلماً، وانتهى.
ربما لهذا أتمنى أحياناً لو كان للماضي باب خلفي. شق صغير في جدار الزمن ندخل منه خلسة، لا لنصبح أشخاصاً آخرين، بل لننقذ شيئاً واحداً من أنفسنا.
أعرف أن هذا مستحيل. لكن الأمنيات لم تُخترع من أجل الممكن فقط. فيا ليتنا، مرة واحدة فقط، نستطيع أن نعود إلى الماضي خفيفين. ونغيّر ما لا يزال، حتى اليوم، يغيّرنا.
سناء العاجي الحنفي: رونالدو وجورجينا - حياتهم وتعليقاتنا
كلما نُشرت صورة للنجم كريستيانو رونالدو وجورجينا، تظهر تعليقات حراس الأخلاق: كيف عاش معها كل هذه السنوات دون زواج؟ كيف أنجبا أطفالا؟ كيف قبلت هي بذلك؟
قبل الزواج، كان هناك أيضا من يقول إنه يتسلى بها وإنه لن يتزوجها حتى لا تستفيد من ثرواته. وكأن علاقتها يفترض أن تمر عبر موافقة المجتمعات العربية والإسلامية. ما لم تقبلها جموع المعلقين من الرباط والقاهرة وعمان، فلن تكون مقبولة.
المشكلة هنا ليست في أن تكون لنا قيمنا الخاصة التي تؤطر علاقاتنا. من حق أي شخص أن يؤمن بأن الزواج يجب أن يسبق العيش المشترك، وأن الإنجاب ينبغي أن يكون داخل مؤسسة الزواج. المشكلة تبدأ حين نتصور أن هذه القيمَ كونيةٌ، وأن العالم كله مطالب بأن يعيش وفق النموذج الذي تربينا عليه.
رونالدو برتغالي، وجورجينا أرجنتينية إسبانية. الاثنان ينتميان إلى سياق اجتماعي وثقافي وديني وقانوني مختلف. ما نعتبره نحن علاقة غير شرعية، قد لا يحمل، في مجتمعات أخرى، المعنى الأخلاقي أو القانوني نفسه. الملايين عير العالم يعيشون علاقات عاطفية ويُكَوِّنون أسرا، دون أن يربطهم عقد زواج. كما أن قوانين دولهم تحمي حقوق الأطفال المولودين خارج الزواج وتوفر حماية للمرأة الشريكة في العلاقة أيضا.
لكن، نحن، لماذا نريد أن نحاكم حياة شخصين راشدين، اختارا شكل علاقتهما بحرية؟ بل لماذا نريد أن نحاكم حياتهما وفق مرجعية لا ينتميان إليها أصلا؟
الأغرب أن بعض التعليقات لا تكتفي بالحكم على العلاقة، بل تتحول إلى محاكمة لجورجينا تحديدا: كيف قبلت؟، لماذا لم تشترط الزواج؟، كيف تضمن حقوقها؟ وكالعادة، حتى حين يتعلق الأمر بخيار مشترك بين رجل وامرأة، تصبح المرأة هي المتهمة الأولى.
يمكن أن نختلف مع نمط حياتهما. يمكن ألا نختاره لأنفسنا. لكن الاختلاف شيء، وأن ننصب أنفسنا أوصياء على حياة الآخرين... شيء آخر.
القيم تصبح أكثر إنسانية حين تساعدنا على اختيار حياتنا، لا حين نحولها إلى عصا نقيس بها حياة ملايير البشر.
باختصار وببساطة، لا أحد مطالب بأن يعيش وفق مقاييسنا الخاصة.
عروب صبح : النساء في وجه القطار...
نبيلة الحشوش ومريم جعجع...
في الأغوار الجنوبية، حيث تتشابك الأرض مع ذاكرة العائلات ومصدر رزق المزارعين وطعام الأردنيين، ظهر مشروع سكة حديد لنقل البوتاس من غور الصافي إلى العقبة بوصفه مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا كبيرًا. لكن المشروع حمل معه قضية أخرى: قرار استملاك نحو 3,499 دونمًا في غور الصافي وغور فيفا، تعود قرابة 60% منها إلى 76 عائلة، بحسب ورقة موقف أصدرتها مؤسسات المجتمع المدني.
هنا هبّت امرأتان استثنائيتان لتقفا بقوة وحزم أمام مؤسسة القرار الظالم ..
نبيلة الحشوش: صاحبة الأرض
ابنة المكان، مزارعة عاملة، وناشطة اجتماعية وعمالية، عرفت حياة الأغوار من داخلها. عُرفت منذ سنوات بنشاطها في غور الصافي ودفاعها عن حقوق العاملات والعمال، حتى أصبحت صوتًا معروفًا في المنطقة.
ولذلك فإن اعتراضها على مشروع السكة لا يبدو بالنسبة إليها معركة نظرية حول مخطط هندسي؛ إنها معركة على علاقة الإنسان بالأرض التي عاش عليها وعمل فيها آباؤه وأجداده.
ظهرت الحشوش في حديثها عن المشروع وهي تضع الحق في أبسط وأقوى صورة:
"هذه أراضينا وأراضي أجدادنا"
نبيلة لم تتحدث عن الأرض بوصفها عقارًا، بل بوصفها ذاكرة ومصدر رزق وهوية.
مريم جعجع: هاجس السيادة الغذائية
على يمين نبيلة تقف مريم جعجع، المديرة العامة للجمعية العربية لحماية الطبيعة، التي تبنت القضية من بوابة: البيئة، والزراعة، والسيادة الغذائية، وحقوق المجتمعات المحلية.
في لقاء مع اللجنة النيابية للبيئة، عرضت جعجع التحديات البيئية المتوقعة من مشروع سكة نقل البوتاس، وأكدت ضرورة مراعاة احتياجات المجتمعات المحلية في الأغوار الجنوبية.
وكان موقفها أكثر وضوحًا في حديثها عن أراضي المزارعين باعتبارها جزءًا من الثروة الوطنية والسيادة الغذائية. فالسؤال، في جوهره، ليس: هل نريد قطارًا أم لا؟ وإنما: هل يمكن أن نسمي المشروع تنمية إذا كان ثمنه إضعاف المجتمع الزراعي الذي ينتج الغذاء؟
المشكلة التي تطرحها الحشوش وجعجع، ومعهما المزارعون ومنظمات المجتمع المدني، هي كيف يُنفذ المشروع؟ وأين يمر؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل دُرست البدائل؟ وهل حصل أصحاب الأرض على المعلومات الكافية؟ وهل حُميت مصادر رزقهم؟
تكتسب هذه الأسئلة وزنًا أكبر لأن ورقة موقف مؤسسات المجتمع المدني أشارت إلى اختلافات بين المساحات الواردة في قرار الاستملاك وما ورد في دراسة الأثر البيئي، وإلى غياب مشاركة المجتمع المحلي في مراحل المشروع.
بل إن القضية تطورت لاحقًا إلى جدل حول مسار السكة نفسه؛ إذ ذكرت ورقة موقف حديثة أن مسار السكة نُقل إلى موقع جديد مع بقاء قرار استملاك الـ3,499 دونمًا!
الأولى تقول: هذه أرضنا.
والثانية تقول: هذه ثروة وطنية.
وبين الجملتين تتشكل قضية أكبر من مشروع سكة: ما معنى النفع العام؟
هل يكون نفعًا عامًا إذا أفاد شركة وأضر بالمزارع والمواطن؟ هل يصبح المشروع وطنيًا لمجرد أنه يحمل اسم التنمية؟ ومتى سيفهم المسؤول أن حماية الغذاء والأرض والمجتمع المحلي جزء أساسي من حسابات التنمية، لا عقبة أمامها؟
وهنا يصبح موقف نبيلة الحشوش ومريم جعجع مهمًا ليس فقط لأنهما تعارضان مشروعًا بعينه، وإنما لأنهما تذكراننا بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الكيلومترات التي يقطعها القطار، بل بعدد الناس الذين يستطيعون مواصلة حي
غادة عبد العال: جريمة اليوم
صباح كل يوم، بنفتح عينينا، نمد إيدينا ناحية الموبايل، ونعمل ريفريش لصفحتنا على السوشيال ميديا. مش علشان نعرف درجة الحرارة كام، ولا نشوف فيلم الأسبوع، ولا حتى نطمن أصحابنا عملوا إيه امبارح. إحنا بنعمل ريفريش علشان نعرف: جريمة النهاردة إيه؟
مين قتل مين؟ مين خطف مين؟ مين ضرب مين؟ وهل الجريمة اتصورت بكاميرا مراقبة، ولا حد صادف إنه كان واقف في البلكونة وصورها بالموبايل؟ وهل الفيديو كامل، ولا الجزء اللي نزل منه كفاية علشان نصدر حكمنا، قبل ما نكون حتى عرفنا أسماء أطراف الواقعة إيه؟
زمان، وإحنا صغيرين، كانت كل جريدة فيها صفحة مخصوصة للحوادث، الواحد ممكن يقراها لو عنده فضول، أو يقفل الجريدة قبل ما يوصل لها ويكمل حياته عادي. وبعدها ظهرت جرايد كاملة متخصصة في الجرايم، يشتريها اللي مهتم بالنوعية دي من الأخبار، ويسيبها اللي مش عايز يبدأ يومه بتفاصيل جثة اتلقت في شوال.
دلوقتي بقى، السوشيال ميديا، اللي المفروض إنها مساحة أثيرية معمولة علشان نتواصل كبني آدمين، ونشارك صور أولادنا، وأكلنا، وسفرنا، تحولت لصفحة حوادث مفتوحة أربع وعشرين ساعة. وكلنا بقينا مراسلين حوادث، وكلنا بقينا شهود عيان، وخبراء أدلة جنائية، وأطباء نفسيين، ووكلاء نيابة، وقضاة. وأحيانًا جلادين.
لكن الحقيقة إن أكتر حاجة مرعبة في أخبار الجرايم مبقتش الجريمة نفسها. المرعب فعلًا هو التعليقات اللي تحتها. الناس اللي بتكتب بأسمائها وصورها وشخصياتها الاعتبارية بكل ثقة إن الضحية تستاهل. تستاهل تتضرب، تستاهل تتخطف، تستاهل تتعذب، وأحيانًا تستاهل القتل.
وطبعًا سبب الاستحقاق موجود دايمًا. لو الضحية من جنسية مختلفة يبقى (ماكلهم كده)، من ديانة مختلفة يبقى (استفز مشاعرنا الدينية)، لو ست، هنفتش في لبسها، وسبب وجودها في المكان. ولو راجل غني، نقول (أكيد فلوسه حرام). ولو فقير، نقول (أكيد داخل في سكة شمال). ولو له رأي سياسي أو فكري مختلف، تتحول الجريمة عند البعض إلى فرصة لتصفية حساب قديم: (مش ده اللي كان بيقول كذا؟ أهو شاف بقى).
وكأن الحق في الحياة بقى مش حق أصيل للإنسان، لكنه عضوية في نادي خاص، لازم الضحية تستوفي شروطه الأول. لكن ولو اختلفت عننا في أي بند، تسقط عنها الحصانة، ويبقى دمها مسألة قابلة للنقاش.
والمشكلة مش بس في تأثير الكلام على الضحية أو أهلها، لكن في تأثيره علينا إحنا. الاستهلاك اليومي للجرايم بيخلينا نفقد حساسيتنا بالتدريج. في الأول كنا بنصدم، بعدين بقينا نندهش، وبعدها اكتفينا بالتعليق، وقريبا يمكن نبقى محتاجين جريمة أبشع علشان نحس بأي حاجة أصلا. كأننا بنتفرج على مسلسل، مش حياة وموت ناس حقيقية.
يمكن السؤال اللي لازم نسأله الصبح مش: جريمة النهاردة إيه؟ لكن: الجريمة دي هتعمل فينا إيه؟ هل هتزود خوفنا؟ هل هتغذي كراهيتنا؟ هل هتخلينا نبرر العنف لمجرد إن الضحية مش شبهنا؟ ولا هنفتكر، ولو للحظة، إن العدالة مش معناها إننا نختار مين يستحقها، وإن التعاطف مش جائزة بنمنحها فقط للناس اللي على مقاسنا؟
لأن أخطر جريمة ممكن نصحى عليها يومًا، مش جريمة قتل جديدة، لكن خبر إننا، من كتر الفرجة والتعليق وإصدار الأحكام، فقدنا آخر جزء فينا كان لسه قادر يشوف الآخر إنسان..
هند الإرياني: لباس "غير محتشم" في مدرسة في اليمن
انتشرت صورة لفتيات يقفن صفًّا في ساحة مدرسة، وقصّة هذه الصورة تناقلها الكثير من اليمنيين. تتحدّث الصورة عن مديرة مدرسة في صنعاء عاقبت فتيات لأنّ لباسهنّ غير محتشم. عندما فتحت الصورة، تفاجأت؛ لم يكن ما يلبسنه متوقّعًا.
جلابيب سوداء طويلة، ونقاب يخفي الوجه ولا تظهر منه إلّا العينان، وإسدال يغطّي كامل الجسد، وتحته جلباب واسع وطويل. ألوان غامقة وشمس خانقة. قصّة هؤلاء الفتيات كانت غريبة بالنسبة لي وللكثيرين الذين نشروا الصورة.
لقد قامت مديرة المدرسة برفض هؤلاء البنات بسبب لباسهنّ، لأنّه -بحسب كلامها- ليس محتشمًا بشكلٍ كافٍ. وعاقبتهنّ بالوقوف تحت الشمس، وبينما والدتهنّ تنتظر المديرة، أيضًا تحت الشمس، أُغمي عليها من التعب. قام أخو البنات بتصوير أخواته على أمل أن تنتشر الصورة ويحكم الجميع على هذه المديرة. المديرة هدّدت بطرد الفتيات، ولا نعلم ماذا حدث بعد ذلك.
كنت أعتقد أنّني درست الإعدادية والثانوية في أسوأ فترة للتطرّف مرّت على اليمن، فترة التسعينيات الأليمة. ولكن مقارنة باليوم، تعتبر فترة ذهبيّة. كنّا نلبس حجابًا أبيض وبالطو رماديًّا يصل للركبة وتحته بنطال رماديّ. لباسي للمدرسة، والحجاب الأبيض، الذي كان يفرض علينا أيضًا، يعتبران اليوم لباسًا "متحرّرًا" مقارنة بلباس اليوم.
وإذا عدنا للوراء أكثر سنجد أنّ زيّ طالبات المدرسة في الثمانينيّات كان أكثر تحرّرًا من زيّ مدرستي في التسعينات. كان الزيّ في الثمانينيّات قميصًا وجيبة طويلة. ألوان فاتحة؛ أبيض وأزرق فاتح، والشعر ظاهر والعياذ بالله.
مؤسف ما وصلت إليه اليمن. الواضح أنّ التطرّف، الذي ينتج عنه دائما قمع النساء، يزداد. ليس فقط في اليمن، ولكن في الكثير من الدول التي حدثت فيها ثورات الربيع العربيّ ثمّ اضطرابات وحروب. وهذا خطر ليس فقط على هذه الدول، وإنّما على العالم.
ولن أقول إلّا كما تقول الأمم المتّحدة: "أشعر بالقلق".
جمانة حداد: القليل الذي بقي
"راح الكثير وبقي القليل".
جملة لطالما رددتها والدتي على مسامعي، ولا تزال ترددها، في ظروف شتى. كانت تقولها حين تعصف بي مرحلة صعبة، كأنها تمد لي جسراً فوق هاوية. وتقولها عندما يطول مرض أو يشتد وجع، لتعزّيني ولتقنعني بأن الجزء الأصعب صار خلفي، وبأن ما تبقى لن يكون إلا آخر المنحدر. لكنها ما فتئت ترددها، أولاً وخصوصاً وقبل كل شيء وبعد كل شيء، كلما دار الحديث على لبنان.
"راح الكثير وبقي القليل".
أي إن العاصفة، مهما اشتدت علينا، لا بد أن تتعب. وأن الحياة، مهما قست، لا تستطيع إلا أن تلين. وأن الأسوأ، بحكم المنطق، لا بد أن يكون قد مضى على هذه البلاد.
كبرت وأنا أريد أن أصدقها.
لكنني اليوم أجد نفسي أسألها، حتى لو لم أبح بالسؤال: أي كثير هو ذاك الذي مر يا أمي وأي قليل بقي؟ لماذا يبدو لنا، كل صباح، أن ما ينتظرنا أثقل وأصعب مما مضى؟ لماذا صار الأمس، بكل مآسيه، يبدو أقل فداحة من الغد الذي يطل علينا؟ كأننا نعيش في بلد لا يكتفي بأن يضيف جرحاً إلى جرح، بل يبتكر كل مرة طريقة جديدة للألم.
في لبنان، لم تعد الكوارث استثناءً، بل صارت الإيقاع اليومي للحياة. حرب تلد حرباً، ومصيبة تجر خلفها مصيبة، وخيبة تلد أخرى أكبر منها. حتى الذاكرة لم تعد قادرة على ترتيب المآسي بحسب أحجامها. هل كانت الحرب الأهلية أفدح؟ أم الانهيار المالي؟ أم تفجير المرفأ؟ أم النزوح؟ أم الحروب المتلاحقة؟ أم ذلك التآكل البطيء الذي يجعل الإنسان يستيقظ كل يوم ليكتشف أنه فقد شيئاً جديداً من روحه، من وطنه، من كرامته، ومن قدرته على الاحتمال؟
الأخطر من ذلك كله أن سقف توقعاتنا انخفض إلى حد صار فيه غياب المأساة إنجازاً. وهذه، في رأيي، هي الهزيمة الحقيقية: حين يصبح الخراب هو المعيار، ويغدو الطبيعي استثناءً.
مع ذلك، أرفض أن أتهم أمي بالسذاجة. هي تعرف لبنان أكثر مني. عاشت حروبه كلها تقريباً، ورأت ما يكفي ليحق لها أن تستسلم، لكنها لم تفعل. ربما هي لا تقصد أن الأسوأ قد انتهى فعلاً، بل تحاول أن تمنعني من أن أمنحه انتصاره الكامل. هي تقول: "راح الكثير وبقي القليل"، لا لأنها واثقة من المستقبل، بل لأنها تعرف أن الإنسان إذا اقتنع بأن لا نهاية للألم، توقف عن مقاومته.
لهذا قررت أن أترجم عبارتها، من الآن فصاعداً، بطريقة مختلفة: لا أن القليل هو ما بقي من الصعوبات، بل هو ما بقي لنا لنحميه: ما تبقى من قدرة على الدهشة، ومن كرامة، ومن حب، ومن ذاكرة، ومن رغبة في ألا يتحول الخراب إلى قدر. ذلك القليل هو ثروتنا الأخيرة. وإذا فرطنا به، فلن يكون قد راح الكثير فقط، بل سيكون كل شيء قد راح.
عروب صبح: الطفولة الرقمية.. متى نقول كفى؟
لم يعد السؤال المطروح .. كم هو الوقت المسموح للطفل أن يقضيه على مواقع التواصل؟؟ لقد أصبح الأمر خطيراً لدرجة أنه من الممكن اعتباره مسألة أمن قومي ...
خلال السنوات الأخيرة، بدأت دول متزايدة تتجه إلى فرض قيود عمرية صارمة على حسابات الأطفال، وبعضها ذهب إلى حد المنع. كانت أستراليا نقطة التحول الأبرز؛ فمنذ 10 ديسمبر 2025 أصبح على المنصات المشمولة بالقانون اتخاذ خطوات معقولة لمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات. وشملت القائمة في ذلك الوقت منصات كبرى مثل Instagram وTikTok وFacebook وYouTube وSnapchat وX وReddit
لم تتوقف الموجة عند أستراليا. ففي مارس 2026 بدأت إندونيسيا تطبيق قواعد تمنع الأطفال دون 16 عامًا من امتلاك حسابات على المنصات رقمية، فيما أقرت فرنسا في يوليو 2026 قانونًا يمنع من هم دون الخامسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على أن يبدأ تطبيقه في سبتمبر. أما المملكة المتحدة فأعلنت أنها ستمنع شركات التواصل الاجتماعي من تقديم خدماتها لمن هم دون السادسة عشرة، على أن يبدأ التطبيق المتوقع في ربيع 2027.
هكذا يبدو أننا أمام اتجاه عالمي آخذ في التشكل، وإن اختلفت الأعمار والتفاصيل القانونية من بلد إلى آخر.
توثق اليونيسف هذا التحول باعتباره انتقالًا متزايدًا نحو القيود العمرية كإحدى أدوات حماية الأطفال في البيئة الرقمية.
هل الحماية تعني العزل
هناك من سيقترح
ربما ( نعم ) بالذات للأعمار الصغيرة التي تحتاج الى التفاعل مع بعضها والعالم من حولها وبناء أجسادها ومهارتها بالحركة واللعب والتفاعل الحقيقي المباشر..
وهناك من قد يجيب ب
ربما ( لا ) يكون الحل المثالي هو الحظر الكامل ولا الحرية المطلقة.
فالطفل يحتاج إلى تربية رقمية بقدر حاجته إلى الحماية الرقمية. يحتاج أن يتعلم كيف يميز الحقيقة من التضليل، وكيف يحمي خصوصيته، وكيف يتعامل مع التحرش والتنمر، وكيف يفهم الخوارزميات، وكيف يدرك أن عدد الإعجابات لا تحدد قيمته.
في عالم مثالي
تحتاج شركات التكنولوجيا إلى تحمل مسؤوليتها عن التصميم، والمحتوى، والخوارزميات، وآليات التحقق من العمر.
أما الدولة، فدورها أن تضع قواعد تجعل مصلحة الطفل جزءًا من تصميم البيئة الرقمية نفسها، لا مجرد شرط صغير في نهاية شروط الاستخدام.
الأهل والعائلة ... هم الأصل في الحماية أو (عدمها) بالتأكيد..
غادة عبد العال: كبش الفداء!
كل فترة بيكون عندنا تريند ما خاص بالمطاعم، مطعم بيغش في المكونات، مطعم بيتشمع بعد ضبط مأكولات غير صالحة للاستهلاك، مطعم بيطرد واحد أو واحدة لعدم تحقيقهم لمتطلب معين من دخول المطعم، زي المطاعم اللي بتطلب أكاونت الإنستجرام عشان تحدد الزبون يليق بالقعاد عندهم أو لأ، للخناقة المعتادة بتاعت المطاعم اللي بتقدم مشروبات روحية فبتمنع دخول المحجبات.
من كام يوم، خناقة مختلفة بدأت في مطعم بسبب .زبونة عايزة تصلي في المكان، فتشاجرت مع مدير المطعم. قصتها كانت إنه تعدى عليها لفظيا واتكلم بقلة ذوق، وقصته إنها كانت متحفزة ورفضت اقتراحه بوجود مكان للصلاة قريب من المطعم.
وكالعادة تحولت الخناقة في ظرف ساعات، إلى واحدة من المعارك اللي بقينا متخصصين فيها على السوشيال ميديا. مش مهم قوي إيه اللي حصل بالضبط، ومين قال لمين إيه لأن بعد أول كام ساعة، أصل الحكاية نفسه تقريبًا اختفى، وبدأت الحكاية اللي بقت أهم منه بكتير: مين في الحدوتة دي هيكون كبش الفداء اللي الناس على السوشيال ميديا هتوصله بإيديها لحد المقصلة وتقف تتفرج عليه ورقبته بتطير.
في البداية، الناس الغاضبة من الموظف طالبت المطعم بالاعتذار، وده مفهوم. بعدين الاعتذار ما بقاش كفاية، لازم الموظف يتفصل. ولما اتقال إنه اتفصل، برضه الموضوع ما خلصش، وظهر اللي شايف إن الفصل عقوبة بسيطة، وإن الراجل لازم يتحبس.
الفريق المقابل بدأ يدور ورا الست نفسها. مين دي؟ بتشتغل إيه؟ قالت إيه قبل كده؟ ومين أهلها؟ وهم كمان قالوا إيه قبل كده؟.وده واحد من أغرب اختراعات عصر السوشيال ميديا: إن حقوقك بقت مرتبطة بتاريخك الشخصي بل وبتاريخ عيلتك كمان. لو اشتكيت من موقف حصل لك النهارده، لازم الأول نعمل لكم مراجعة شاملة للعشر سنين اللي فاتوا، ونشوف بوستاتكم القديمة وآراءكم وصوركم وعلاقاتكم.
وبعد حملة التدقيق صدر حكم الفريق المقابل: لأ ثواني شوف أبوها كان كاتب إيه من ١٠ سنين، دي هي بأه اللي لازم تتحبس. وكأن الماضي بقى دليل لوحده بيحسم قضايا الحاضر، يعني مافيش احتمالية ان حد أخطأ في الماضي أو قال رأي يؤخذ عليه وقتها، وفي نفس الوقت ممكن يبقى عنده حق في الموقف اللي بيحصل النهاردة؟
ده غير اننا بقينا بنتعامل مع أرزاق الناس وحريتهم كأنها لعبة فيديو. موظف غلط؟ يتفصل كأن الوظيفة دي مش مصدر دخل لإنسان وراه بيت وأطفال وأقساط وحياة كاملة هتتهز من أساسها.
. واحدة استفزتنا؟ تتحبس. وموضوع الحبس ده بقى حاضر في نقاشاتنا اليومية باستهانة غريبة. كل مناقشة حادة شوية في أي موضوع لازم تلاقي ٢٠ واحد في التعليقات بيعمل مينشان لوزارة الداخلية. فهل كل تصرف مستفز جريمة؟ وهل كل إساءة تستحق السجن؟ وهل إحنا أصلًا عايزين نعيش في مجتمع كل خلافاته تتحل بالحبس؟
مابقاش فيه مساحة في النص اسمها: واحد غلط ويتحاسب على قد غلطه، مابقاش فيه تقدير لإن حياة بني آدم ممكن تنتهي بسبب مطالبات بنعملها على الفيسبوك واحنا بنشرب قهوة ساقعة في التكييف. ما بقاش فيه أهمية لتفاصيل أي حادثة من الأساس، الأهم في كل ده إننا لازم نلاقي كبش فداء رقبته تطير فداء تشفينا وتسليتنا وإلا كلنا مش هنرتاح.
سناء العاجي الحنفي: عن كأس إفريقيا لكرة القدم للسيدات
خلال كأس إفريقيا لكرة القدم للسيدات، لم تكن بعض تعليقات المعلّقين والصحافيين الرياضيين تصف ما يحدث فوق الملعب فقط، بل كانت تكشف، من دون أن تدري ربما، ما يسكن مجتمعاتنا من صور نمطية وميزوجينية متجذّرة.
عندما تقدّم لاعبة أداءً استثنائياً، نسمع معلقاً يقول، تعبيراً عن إعجابه: "أنا من يجب أن يذهب إلى المطبخ"، أو نقرأ من يكتب: "يا إلهي، كم هي جميلة. أريد أن أتزوجها".
لكن ما علاقة المطبخ بكرة القدم؟
المطبخ يذهب إليه من يحب الطبخ، أو من تقع عليه مسؤولية إعداد الطعام، رجلاً كان أو امرأة. هو مكان داخل البيت، يفترض أن لا علاقة له بالانتماء الجندري. غير أن النظام الذكوري قرر، منذ زمن طويل، أنه فضاء نسائي حصري، وأن الرجل لا يدخله إلا على سبيل التضحية أو التنازل عن رجولته.
وحين تنجح امرأة في مجال اعتُبر طويلاً حكراً على الرجال، يكون رد الفعل: لقد هزمتنا، إذن سنذهب نحن إلى المطبخ. وكأن وجود المرأة في الملعب انقلاب مؤقت في «النظام الطبيعي» للأشياء، وليس حقاً عادياً وممارسة رياضية مشروعة.
ثم لماذا يتحول الإعجاب بمهارة لاعبة كرة القدم إلى رغبة في الزواج منها؟ لماذا لا نكتفي بالقول إنها سريعة، ذكية في تمريراتها، قوية في دفاعها، أو رائعة في تسجيل الأهداف؟
حين نختزل اللاعبة في جسدها، أو في مدى توافقها مع مقاييس جمالنا، فإننا نمحو جهدها وتدريباتها وموهبتها، ونحوّلها من رياضية محترفة إلى موضوع للرغبة والتقييم الذكوري.
لا أحد يقول عن لاعب رجل أحرز هدفاً جميلاً: "أريد أن أتزوجه". يتم الاحتفاء بقدمه، بذكائه، وبإنجازه. وهذا بالضبط ما تستحقه اللاعبات أيضاً.
كرة القدم النسائية لا تحتاج إلى معاكسات ذكورية متنكرة في شكل فكاهة. تحتاج إلى لغة تحترم اللاعبات بوصفهن رياضيات، لا زوجات محتملات، ولا استثناءات سمح لهن بمغادرة المطبخ لبعض الوقت.
هند الإرياني: الهوّة تزداد بين الرجال والنساء
قالت لي، وهي تنظر إلى الأرض: "لم أعد أريد أن أذهب إلى تطبيقات المواعدة، لقد تزايدت بداخلي مشاعر الكراهية للرجال، ولا أريد ذلك".
هي ليست الوحيدة التي تشعر بهذه المشاعر، فالهوّة بين الرجال والنساء تزداد، والكراهية تزداد، والترويج للعزلة في وسائل التواصل يفوز بالمحتوى الأعلى مشاهدة.
البحث عن شريك حياة أو شريكة حياة أصبح صعبًا جدًّا في بيئة تكرّس الكراهية بين الجنسين، وشعرت بذلك مؤخّرًا، خاصّة بعد انتشار خبر طلاق الفنّانة اليمنيّة فاطمة مثنّى، إذ كشفت التعليقات التي رافقت الخبر حجم الهوّة التي تتّسع بين الرجال والنساء.
فعندما كتب زوجها أنّها هي من طلبت الطلاق، وقال: "طلّقتها برغبتها"، وأضاف أنّه سعى للاستمرار والحفاظ على هذا الرابط طوال السنوات الماضية، وأنّه يتمنّى لها التوفيق، ورغم أنّ رسالته لم يكن فيها أيّ تهجّم، إلّا أنّ مجرّد قوله إنّها طُلّقت برغبتها كان سببًا كافيًا لشنّ حملة كراهية ضدّ الفنّانة من قبل كثير من الرجال، فوصفها البعض بأنّها نسيت كلّ ما قدّمه لها زوجها، وأن على كل زوج أن يحذر، وألا يترك زوجته تستقلّ ماديًا، وأنّ النساء ناكرات للمعروف، إلى آخره.
وفي الجانب الآخر، كانت هناك حملة من النساء المدافعات عن الفنّانة، ولم أجد إلّا رجلًا واحدًا، اسمه عمر النهمي، كتب يدافع عن النساء، وقال: "لو أنّ كلّ يمنيّة استطاعت أن تصرف على نفسها، لرأينا عشرين في المئة من النساء يطلبن الطلاق"، وأوضح أنّ السبب هو "طبع أزواجهنّ (الزفت)". كلماته هذه تسبّبت في هجوم كبير عليه، ووصفه كثير من الرجال بـ"السيمب".
وكانت تعليقات الرجال والنساء متطرّفة في كراهية بعضهم بعضًا، ولهذا عدّة أسباب. النساء تغيّرن، بينما الرجال لم يتغيّر منهم إلّا القليل. لا يزال كثير منهم يعامل زوجته بالطريقة نفسها التي كان جدّه يعامل بها جدّته، ويتوقّع أنّها ستصبر، وإلّا فإنّها ناكرة للمعروف.
كما أنّ وسائل التواصل أصبحت تغذّي الكراهية بين الطرفين، فالفيديوهات عن النساء النرجسيّات والرجال النرجسيّين تملأ المنصّات، وكلّ طرف يصف الآخر بالنرجسيّة. وتكاثرت أيضًا الفيديوهات التي تشجّع على العزلة، وتجمّل العيش وحيدًا.
وهكذا يستمرّ اتّساع الهوّة، ولا ندري إلى أين سيذهب هذا العالم.
جمانة حداد: ليست ذكرى
الرابع من آب ليس تاريخاً في لبنان. التاريخ ينتهي عندما ينتهي الحدث. ولا هو ذكرى، فالذكرى تنتمي الى الماضي. أما الرابع من آب، فما زال مستمراً. لم يغادر بيروت. يسكن في زجاجها الذي استُبدل، في بيوتها التي أُعيد ترميمها فيما بقيت أرواح أصحابها مهدّمة، وفي مدينة تعلمت، مرة أخرى، كيف تخفي نزيفها كي تتمكن من العيش.
في ذلك المساء لست سنوات خلت، لم ينفجر المرفأ وحده. انفجرت بقايا الثقة بين اللبنانيين ودولتهم. سقط الوهم بأن هناك سلطة تحمي مواطنيها، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ونظاماً يرى الإنسان أكثر قيمة من المصالح والحصانات والتحالفات.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف الانفجار. ما زال يتمدد في القضاء والسياسة كلما أُوقف تحقيق، وفي المجتمع كلما اضطر أهالي الضحايا إلى تذكير العالم بأن أبناءهم لم يموتوا بزلزال، ولا بإعصار، ولا بقدر أعمى، بل هم قتلوا مرة أولى في جريمة كان يمكن منعها، ثم مرة ثانية عندما حُرموا من العدالة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من فجّر المرفأ؟ بل هو: كم انفجاراً يحتاج اللبنانيون كي يفهموا أن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الحقيقة التي تُفاوض عليها السياسة ليست حقيقة، وأن الوطن الذي يعجز عن محاسبة قتلة أبنائه وبناته ليس وطناً ناقص العدالة فقط، بل ناقص السيادة أيضاً.
ست سنوات مرت، وما زال اللبنانيون يحيون الذكرى كأنهم يزورون قبراً بلا شاهد. لكن، لن يسقط الرابع من آب بالتقادم. ليس لأن الذاكرة أقوى من الزمن، بل لأن الحقيقة تمتلك عناداً لا تمتلكه السلطة. يمكن تأجيلها، تشويهها، دفنها تحت الجلسات المؤجلة والخطب الرنانة والحسابات الطائفية، لكنها تعود دائماً، لأنها لا تطالب بشيء مستحيل. تطالب فقط بما يفترض أن يكون بديهياً في أي بلد يحترم نفسه: أن يُعرف من قَتَل، وأن يُحاسَب.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى الرابع من آب امتحاناً أخلاقياً دائماً للدولة اللبنانية.
سناء العاجي الحنفي: "متى نتعلم أن نحبّ الناس وهم أحياء؟"
كلما رحل شخص عن هذه الحياة، امتلأت صفحات مواقع التواصل بصوره وبكلمات الرثاء المؤثرة. فجأة، نكتشف أنه كان رائعاً، نبيلاً، كريماً، موهوباً، وأنه ترك أثراً لا يُنسى...نستعيد مواقفه الجميلة، ومعارفه الواسعة، وطيبته، وعبقريته، ونروي كم كان وجوده مهماً في حياتنا...لكن السؤال المؤلم هو: هل أخبرناه بكل ذلك وهو حيّ؟ هل أخبرناه بذلك وهو بيننا؟
هل قلنا له، في الوقت المناسب، إننا نحبه ونقدّره؟ هل شكرناه على ما منحه لنا؟ هل دافعنا عنه حين تعرّض للظلم؟ أم أننا شاركنا، بالصمت أو القسوة أو الأحكام الجاهزة، في قهره وإيلامه، ثم انتظرنا رحيله كي نمنحه كل الحب الذي حرمناه منه؟
لدينا كرم غريب في الرثاء، وبخل مؤلم في الاعتراف. نجيد تزيين الكلام أمام الغائبين، لكننا نتردد في قوله للحاضرين. ربما لأن الاعتراف بقيمة الآخر يحتاج إلى شجاعة، بينما يصبح الكلام سهلاً حين لا يعود صاحبه قادراً على سماعه، أو الرد عليه، أو محاسبتنا على تأخرنا.
ماذا لو غيّرنا هذه العادة؟ ماذا لو قلنا للناس، وهم بيننا: "أنتَ مهم"، "وجودِك جميل"، "أنا ممتن لما فعلتَه من أجلي" "أنا سعيدة بوجودك في حياتي"؟ ماذا لو اعتذرنا قبل فوات الأوان، وتوقفنا عن قهر من نحبهم بحجة أننا نريد مصلحتهم؟ ماذا لو منحناهم، في حياتهم، بعض الكلمات التي نكتبها بسخاء بعد رحيلهم؟
قد لا تغيّر كلماتنا مصير العالم، لكنها قد تغيّر يوماً ثقيلاً في حياة إنسان. وقد تمنحه شيئاً من الطمأنينة والسعادة، لأنه عرف، في الوقت الذي كان يستطيع فيه أن يبتسم، حجم الحب الذي نحمله له.
فدعونا نتفق على أن لا نؤجل المحبة، وأن لا نختزن الامتنان، وأن لا ننتظر الغياب لنصبح لطفاء. الحب الذي يصل إلى صاحبه وهو حيّ، أفضل بكثير من ألف كلمات جميلة نقولها بعد رحيله.
هند الإرياني: طاقة الأنوثة في أوّل date
كتب رجل عربيّ على الفيسبوك يشتكي من تجربة وصفها بالسيّئة حدثت في موعد غراميّ أو “date” مع فتاة عرفها عبر الإنترنت، وتبادلا الرسائل، ولكنها كانت أوّل مرّة يلتقيان فيها وجهًا لوجه. ما تسبّب في صدمة هذا الرجل هو أنّه بمجرّد أن بدأ بالتعارف، مثل أيّ اثنين في موعد، بادرت الفتاة بسؤاله: "كم مرتّبك؟". ورغم غرابة السؤال، إلّا أنّه جاء نتيجة لثقافة جديدة انتشرت عبر التيك توك اسمها ثقافة "طاقة الأنوثة".
"كم مرتّبك؟" هذا السؤال الذي يعتبر محرّمًا، ومن العيب أن تسأله حتّى للأصدقاء، إلّا إذا كان صديقًا مقرّبًا، فما بالك بأن يسأله لك شخص غريب عنك؟ ولكن يبدو أنّ هذه الفتاة قرّرت المخاطرة وسألت هذا السؤال المحرج. قال الرجل إنّ السؤال أربكه، فردّ عليها: "بالطبع لن أقول لك". كان ردّ فعلها مفاجئًا عندما ردّت: "إذاً أنا آسفة، لا أريد أن أضيّع وقتي، لقد ضيّعته كثيرًا مع أشخاص لم يكونوا مستقرّين في حياتهم، وليس لديهم هدف". كان ردّ فعل الرجل منطقيًّا، فقد قام بدفع الحساب وانسحب من الموعد بهدوء.
في اليوم التالي اتّصلت به تعتذر وتبرّر مرّة ثانية سبب تصرّفها، وأوضحت أنّها كأنثى تؤمن بأنّ على الرجل أن يكون هو المسؤول مسؤولية كاملة عن الجانب الماديّ، وأنّ هذا يساعد طاقتها الأنثويّة. كتب الرجل حائرًا من هذا الموقف، وسألنا نحن أصدقاءه في الفيسبوك عن رأينا. وأنا أقرأ الردود استغربت جدًّا أنّ هناك عددًا لا بأس به من النساء قلن إنّ هذه الفتاة محقّة، وإنّ موضوع "الفلوس" هو الموضوع الأهمّ في وقتنا الحاليّ، وأضفن: "ما الفائدة من معرفة شخص وتضييع وقت، ثم يتبيّن أنّه فقير! الزمن ليس زمن الفقراء". وأكّدن رأي الفتاة عن "طاقة الأنوثة" التي تحتاج لرجل يصرف عليها.
هذه التعليقات تجاهلت تمامًا أنّه من العيب أن تحرج شخصًا لا تعرفه بمثل هذا السؤال في أوّل مرّة تلتقيه فيها. هذا بالإضافة إلى أنّ هذا السؤال يجعل الموضوع وكأنّه صفقة، أو ربّما شبيهًا بالزواج التقليديّ. ولكن على الأقلّ، في الزواج التقليديّ، يتوقّع العريس مثل هذه الأسئلة، أمّا أن تلتقي بشخص وكأنّكِ فتاة تبحث عن شيء أعمق من المادّيّات والمظاهر، ثمّ تفاجئينه بمثل هذا السؤال في أوّل موعد؟ على الأقلّ كنتِ انتظرتِ شهرًا أو شهرين! أو ربّما "طاقة الأنوثة" لا تتحمّل الانتظار!